جنون المسافات بين الحروب وأحاديث الفراشات في قصيدة عقيل هاشم

الأديب العراقي يعد مبدعا مسافاتيّا يجيد مهنة الزراعة الإبداعية من حراثة أرض النص وغرس وزراعة مالذ وطاب له من أشجار الأفكار، فهو فلّاح إبداعيّ بإمتياز بوصفه ساردا وناقدا وشاعرا يكتب قصيدة النثر.
مسلم الطعان
بغداد

مسافة الاستهلال

في كل نص أو خطاب أدبيLiterary Discourse ثمّة تزاحم مسافاتيّ على بوابة الابداع، أو فالنقل أن ذلك يحصل في رأس المبدع، ولا عجب أن مخيلة المبدع التي تسكن في بيت رأسه هي عبارة عن بستان من المسافات، والأديب عقيل هاشم هو مبدع مسافاتيّ يجيد مهنة الزراعة الإبداعية من حراثة أرض النص وغرس وزراعة مالذ وطاب له من أشجار الأفكار، فهو فلّاح إبداعيّ بإمتياز بوصفه سارداً وناقداً وشاعراً يكتب قصيدة النثرProse Poem التي يمكن إعتبارها خطاباً جماليّاً Aesthetic Discourse جامعاً لتلك المسافات النقدية والسردية والشعرية.

مسافة النص:

منْ يفضُ احاديث الفراشات؟ 

شعر: عقيل هاشم 

المجانين ..

تحملهم  زوارق 

الارصفة

كلما دنوا من 

مدينةٌ تأنقوا لها

دونهم ..

تحكي

اختصار الحياة

ألاحذية  الممزقة..

سيرتهم..

التي دوّنتها

 الحروب..

كانت اعترافات 

 بنات ليل..

شكرا ..

لأعترافك

سرقة عطور 

الحدائق..

في كل الحروب

مسافة العنوان:منْ يفضُ احاديث الفراشات؟ 

في مسافة العتبة أو عتبة المسافة يضع الشاعر سؤالاً مسافاتيّاً: من يفض أحاديث الفراشات؟! ونحن بدورنا نتساءل: هل للفراشات أحاديث؟! وإذا كانت هناك ثمة أحاديث فمن الشخصية الدرامية التي تدخل مسرح القصيدة وتقوم بفض تلك الأحاديث بعنوة أم برقة تشكل معادلا جماليّاً لرقة الفراشات ذاتها؟!  

المسافة الأولى: المجانين يتصدرون المشهد ويلجون إلى مسرح القصيدة ونحن القرّاء أو جمهور ذلك المسرح ننشّد إلى جوقة المجانين لكي نفهم حقيقة جنونهم: 

المجانين ..

تحملهم  زوارق 

الأرصفة

كلما دنوا من 

مدينةٍ تأنقوا لها

هؤلاء المجانين الذين ودّعوا فراشات الواقع الجماليّ وأصبحت لديهم أحاديثم التي لن يقدر على فضها أحد سواهم.أي جنون لجيّ هذا الذي أبحروا فيه ومخروا عبابه ب( زوارق الأرصفة)؟! هؤلاء المجانين سمتهم الأناقة حيث ( لما دنوا من مدينةٍ/ تأنقوا لها)، فالمدينة مسافة جمالّية ذات سحر مغناطيسي يجذبهم و يدعوهم للتأنّق والإبحار في شوارعها المائية وكأنهم في مدينة البندقية.

المسافة الثانية: مشهد الأحذية الممزقة

دونهم ..

تحكي

اختصار الحياة

ألاحذية  الممزقة..

ثمة مسافة سردية مغلّفة بلباس دراميّ تدشن خشبة مسرح القصيدة بحكايةٍ مفتاحها الفعل ( تحكي)، والحكاية هنا ترويها "الأحذية الممزقة" التي تقوم ب"إختصار الحياة" وأية حياة تتحدث عنها تلك الأحذية الممزقة؟!  هل هي أحذية المجانين الذين حملتهم "زوارق الأرصفة"، أم أنها تعود للفقراء الذين يختصرون الحياة بأحذية ممزقة؟! تلك الأحذية تلعب دورا دراميّاً في مسرح القصيدة عندما تتحول  إلى كائنات درامية تتحدث عن معاناة الفقراء الذين تقسو عليهم الحياة بعهرها المادي فتحولهم إلى مجانين تختصر حياتهم بالجنون والعبث واللاجدوى، ورغم محاولة الأحذية الممزقة سرد حيواتهم، بيد أن هناك فعل دراميّ آخر أو مسافة درامية أخرى ستخبر جمهور قرّاء مسرح القصيدة عن سيرتهم.

 

المسافة الثالثة: السيرة تدونها الحروب وتسردها بنات الليل 

سيرتهم..

التي دوّنتها

 الحروب..

كانت اعترافات 

 بنات ليل..

في المسافة أعلاه يقودنا الشاعر عقيل هاشم وببراعة السارد المسافاتيّ إلى إكتشاف بعض أسرار الجنون التي أودعها هؤلاء المجانين في خنادق الحروب التي دونت تفاصيل حياتهم اليومية وكتبت سطور سيرتهم، وهناك نكتشف أن تلك الحروب التي دوّنت سيرتهم وسردتها للآخر  تقف كمعادل موضوعي لبنات الليل اللائي يعترفن بأسرار العهر، فالعهرProstitution  بكل أشكاله هو صنو للحرب التي لابد أن تكون أحداثها ومآسيها إعترافات عاهرة بالجنون والفقدانات التراجيدية التي أتت  ويلاتها على الأخضر واليابس. 

 

المسافة الرابعة: الإعتراف بسرقة عطور الحدائق 

شكرا ..

لأعترافك

سرقة عطور 

الحدائق..

في كل الحروب

ثمة سارق لعطور الحياة ومسبب أرعن  لكوارث الحروب والجنون الذي تتحدث عنه أحذية المجانين-الفقراء الممزقة يعترف، فهل يستحق أن نقول له "شكراً"؟! أم أن تلك ال"شكراً" جاءت بمسافة تهكمية تسخر من الواقع المر ومشعلي حرائق الحروب ومرتكبي مجازر العقول التي حولت الناس إلى مجانين. من سرق عطور الحدائق واعترف بفعله الشائن في إذكاء نار الحروب  يقف في ذات المسافة التي قامت وبعناد وحشي بإغتصاب وفض بكارة الأحاديث لدى الفراشات.

مسافة الخاتمة

وهنا يمكننا القول وحسب منظورنا المسافاتيّ، إن الحروب مسافات جنون وحرائق وسرقة لعطور الحياة وإستبدالها بمسافات الموت والضياع والجنون، ومحاولات طائشة وعبثية  من أجل إفتراع بكارات الجمال عبر فض أحاديث الفراشات التي تجسد رومانسية الحياة وجمالها الغض، وبذلك فإن الشاعر المبدع عقيل هاشم الذي يجيد اللعب على حبال المسافات يقدم لنا عرضا دراميّاً من فوق مسرح قصيدته عندما يبرع في صياغة صور شعرية مسافاتية صادمة تلقي أحجاراً جمالية في بركة وعي المتلقي كبراعته في صياغة صور مثل : صورة المجانين الذين تحملهم "زوارق الأرصفة" وصورة "الأحذية الممزقة" التي تلعب دور السارد- الراوي، وصور أخرى ذات دلالة مسافاتية تبحث عن قارئ مسافاتيّ يجيد لعبة الحفر الجماليّ  Aesthetic Digging Game والغوص في أعماق النص أو الخطاب الأدبيّ.