من الوجدان إلى معانقة الوجود في ديوان 'لتكن ما شئت'
في ديوان "لتكن ما شئت" للشاعر الإسكندري جابر بسيوني، تبدو التجربة الشعرية ملتصقة، إلى حد بعيد بالتجربة الصوفية أو الحالة الوجدانية التي يفرضها معنى التوحد مع الذات لفرض طقس إبداعي أشبه بطقس المريد الذي لا ينفصل عن ذات محبوبه.
وفي الديوان توجه لغة الخطاب الشعري إلى الذات/ الداخل بما يشبه المناجاة المغلفة للتحريض الضمني على التمرد على أوضاع الذات/ الآخر/ الخارج، وتحويل مسار العلاقة المبتورة معه إلى علاقة توحد مع الذات بحيث ينشطر منها ظل الشخصية المأزومة من الواقع ليسلس القياد والتوجيه نحو ما يقمع غضب النفس ويهدئها ويجعلها على المسار السليم/ المعتدل..
وهو ما ينبت بداية من استنطاق دلالة العنوان الذي ربما مثَّل عتبة كاشفة ومكملة لتوجه الشاعر في هذا الديوان، ومانحة للحالة الشعورية المشحونة، مدعمة هذا التمرد الناشيء بين فعلي "الكون" و"المشيئة" وبالعلاقة التي يعزز بها كل من المعنيين الآخر، والتي يتبعها الشاعر بأولى عتبات النصوص، وهي قصيدة "الميلاد الجديد" التي تفتح باب الديوان والتأويل معا على مصراعيه، مؤكدة على هذا التوجه الذي يتمثل في هذه الحالة بعملية بعث/ ميلاد، أو ما يمكن أن نسميه استيلادًا أو استنباتًا لبذور ربما كمنت داخل النفس الشاعرة، وحان وقت تبرعمها، له دلالته على مستوى القصيدة، ومستوى الافتتاح للديوان:
املأ نفسَكَ ما ترغبُ أن ينبعَ منْكَ..
تدخلُ موسيقى الكون إلى وجدانِكَ،
تنتشر بذاتِكَ،/ تخرج في أنفاسِكَ/ أقوالِكَ/ أفعالِكَ/
لحناً يشدو ويُعبِّر عنْكَ
هنا يبدو الشاعر متحفزا لمواجهة مع الذات ومع الآخر بهذه السمة من الشحن والضغط كي يستعيد زمام مبادرة يبدو أن دورها كان غائبا عن ساحة وعيه، فالتعبير بموسيقى الكون ربما أدخل القصيدة إلى جو مفعم بالرقة والانسيابية كانت مفتقدة رغم وجودها الخامل، المعطل عن إدراك غايته، واستدعاؤها هنا إنما هو استدعاء لكل ما ينشط الحواس ويقتحم الروح نحو صحوتها أو إفاقتها التي يبتغيها الشاعر بنصه، وصولا إلى غاية التعبير السليم عن الذات.
وضمير المخاطب الذي يستخدمه الشاعر هنا ربما كان دالا على هذه الحالة المكتملة من مواجهة الذات واستنفارها التي تشيع في جو القصيدة/ الديوان، وتملأها بهذا العنفوان الجديد، وهو ما يرومه الشاعر من اكتمال لذة الوجود باكتمال الجمال أو المعنى الفلسفي المتواري خلف تعبيره بـقوله:
املأك جمالا تتشكل فيه جميلا/ أو أن تمتليء بقبح فتظل على الأرض عليلا
فإلى جانب هذا البعد الفلسفي الذي يناضل من أجله الشاعر كغاية يكون المكسب (الباقي، والخالد) في ضمير الشاعر هو هذا الجمال الذي يتقابل مع القبح، والذي يتوازى مع الرقي بالروح إلى الأعلى، المقابل لالتصاق الذات إلى الأرض في جمالية من جماليات النص الشعري يطرحها الشاعر بوعيه ويختم بها نصه في براعة ختام موازية لبراعة استهلال النص، وربما دلالة على وصول/ ارتقاء مبدئي بهذه الحالة التي ربما تنتج عن عملية الشحن والاستنفار، وتسليمها لحلقة جديدة من حلقاتها، في القصيدة التي تحمل عنوان الديوان الرئيس "لتكن ما شئت" حيث يقول:
لك أن تتشكل ما شئت
إنسانا/ أو عصفورا/ أو حرباء
بيدك الأمر/ فكن ما شئت
فالسبيل هنا إلى استكمال حالات الميلاد الجديد التي يرومها الشاعر/ الإنسان، يمر بهذه المرحلة من التحول والتشكل والتغير لاستعادة البعد الجمالي الفلسفي للحياة من خلال مفرداتها الطبيعية الدالة عليها، فالإنسان هو أساس هذا الكون، وهو المادة الرئيسة فيه والمحرك (المخير في صيرورته)، وهو يخير ذاته بين أن يبقى إنسانا أو يرقى ليجمع بين إنسانيته وحرية العصفور المفتقدة في ذاته، أو يعرج على مفردة أخرى من مفردات الحياة ترتبط بالتحول والتغير الملتبس بالشر أحيانا كثيرة، وهي الحرباء، على الرغم من كون تحولها هبة طبيعية ومن سبل حماية وجودها في هذا الكون الفسيح الذي لا يعترف إلا بالمبصرين القادرين على النفاذ والتلون والتغير لمواجهة خطوب الحياة:
تحيا طائر حب عصفورا/ يأمنك المخلوقات
تتنفس جنبك آمنة/ حتى الأعداء
أو تتلون كي تتكون/ في حضنك أطماع الكون
وفي عينيك الداء دواء
ولنفسك وحدك تحيا كالحرباء
هنا تأتي المقارنة والمواجهة بين ما يصبو إليه الشاعر، وما جبله عليه الاختيار؛ فالمواجهة الأصيلة مع الذات، قد أنتجت مواجهة أخرى مع الخارج/ فعاليات الحياة ومفرداتها الدالة.
وهنا أيضا تبرز مفردة "الأمن" التي تتوازى مع "الحرية" كعناصر مهمة من عناصر الوجود الإنساني الحق، كملمح يوتوبي لازم يغلف الشاعر/ الإنسان. كما ترتبط الممارسات/ التحولات السلبية فيما أفرزته علاقة وجود الحرباء بتلونها عن سلبية أخرى هي سلبية الارتداد إلى الوحدة الذاتية المقيتة التي تلازم من صار كالحرباء في ممارساتها برغم عدم جرمها الـ "جيني" أو الطبيعي.
ربما تخرج هنا عملية المناجاة الذاتية إلى حيز التوجيه للذات الخارجية/ الآخر، كدعوة يوتوبية يغلف الشاعر بها نصه الذي يختمه باتكائه على جملة عنوانه وبدايته "لتكن ما شئت... "، ربما ليشكل للنص سمة الدائرية التي تجعل النص لحظة مكثفة جدا/ كبسولة أراد الشاعر تفجيرها أو إحداث هزة شعورية لإيصال رسالته النبيلة، ويزيد عليها "إن" المرتبط حدوث ما قبلها، بوجوب حدوث ما بعدها، في جملة "إن شئت" ليضع الاختيار بين يديه ذاته، وربما الذات الأخرى، في إشارة دالة على وجوب وجود العزم.
كما يأتي السعي الدائم وراء غاية الكمال ملمحا مهما من ملامح هذا الديوان، وهذه الروح التي تتوثب لإعادة الكيان والأمور إلى نصابها، انبعاثا دائما من الداخل، وهو الاحتكام المتواصل والرجوع إلى القوى الطبيعية الكامنة والتي تحتاج منا دوما البحث والتنقيب عنها بدواخل دهاليزنا المستعصية دوما على فك طلاسمها، فها هو الشاعر يرتد بذاته داخل ذاته ليحفزها على استخراج مخبوئها، بنفس ضمير المخاطب الذي يعقد به لواء حربه المقدسة البيضاء، فهو يقول في نص "كن أنت":
كن أنت/ تكن نقطة ضوء/ في وجه الكون
فدائما يشترط الشاعر على ذاته/ محدثه/ مناجيه، بتلك العودة إلى الأنا التي هي مفتاح الحياة، ففعل الكينونة الآمر يلتصق بالذات، انطلاقا منها نحو معانقة الأسمى من المعاني متمثلا في الضوء/ النور أو المعادل الموضوعي للصفاء والنقاء، تأكيدا على طوباوية التفكير وانغماسا في طهر يود به تغيير وجه الكون.. تبدو هنا براعة التعامل مع اللفظ وتوظيفه للخروج بدلالة عميقة وأمل مرتجى على مستويي الإشارة وتوظيفها، لإسقاطها على المادي المتمثل في مادية الإنسان ومادية الكون المحيط به؛ فالحس الفلسفي هنا قائم وموجود بوجود هذه الرؤيا الصوفية القائمة على التحام المادي بالمعنوي لإنتاج علاقة جديدة تنزع إلى الكمال والوجود اليوتوبي الشفاف.
إلا أن العلاقة بين الذات والآخر/ الخارج تنطلق دوما من إسار هذه العلاقة الفردية الذاتية التي يعيشها الشاعر مع بداية كل نص؛ لتلتحم وتنتج علاقة جديدة مفادها القيام بهذا الدور التنويري أو القيادي الذي تقوم عليه علاقة الشاعر بنصه، والإنسان بالعالم من حوله، فها هو الشاعر يعاود بث روحه المنطلقة الشفافة في جماد العالم من حوله في قوله/ تطلعه:
كن أنت الحادي/ كن نقطة ضوء تتفرد
في وجه الكون/ لتبقى/ كن أنت...
فيبدو الاتكاء هنا أيضا على تيمة العنوان، وبداية النص ملمحا مهما جديدا، إذ الاتكاء يعطي الانطباع بالتأكيد على مداومة النهل من قيمة الحافز الذي تعطيه قوة التعبير، هنا، بفعل أمر الكينونة؛ ليتفرد الشاعر/ الإنسان بإنسانيته، ويكون الحادي/ المرشد/ الدليل الوحيد، منطلقًا من فرديته وتفرده معًا نحو هذا العطاء النبيل الذي يضمره للكون المادي المتمثل في الآخر/ الواقع خارج نطاق دائرة الذات، وكفلسفة يبتغيها كي يبقى الشاعر/ الإنسان، من خلال وجود الآخرين الذين يمثلون روح الوجود وكينونته المشتركة، فهو ذات المعنى الذي يلحقه الشاعر، مباشرة، بروح هذه القصيدة الممتدة بامتداد نصوص الديوان، فينشد في نص "اقرأ قلبك" المترع بفيوض الحس الصوفي المتوحد:
ما أجمل أن تملك قلبا كقلوب الطير/ يرفرف في سحب الكون
يفتح بالحب هوى الأشياء/ ويرسل للأرض سلاما
فها هو مفتاح جديد من مفاتيح هذه العلاقة المرتجاة، هو مفتاح الحب ينبت أيضًا من الذات الشاعرة التي تحوِّل كل المفردات من حولها إلى إشارات ودلالات تتجمع من نثارها؛ لترسم صورة بديعة للكون المرتجى/ الجميل، الفائض بحسنه المخبوء، والذي لا يبين إلا لمريد يحاول اختراق هذه الحجب للوصول إلى غاية من غايات وجوده؛ فالحب لدى الشاعر هنا يمثل حجر زاوية في ربط القلوب التي شبهها بـ "قلوب الطير" الخافقة دومًا، في رحلة بحثها عن الحرية والتماس الأمان، تلك المفردتان اللتان تلوحان هنا ضمنيًا، بعدما شخصتا في نص سابق؛ لتحتفظ النصوص هنا بقدرتها على التواصل وتأصيل علاقة وجودها، وتنضاف إليها هنا الرغبة السامية في إدراك السلام كغاية. تلك الغاية التي يفلسفها الشاعر للوصول/ الانطلاق بها إلى حيز هذا الالتحام المتكرر مع العالم/ الكون من حوله، بتلك الرؤية القادرة على تحويل الأشياء إلى الأنقى والنظر إليها من منظور جمالي له فلسفته الضاربة في عمق العلاقة بين الشعر، وبين مفردات الطبيعة الآسرة:
وفي الأسود يبصر حبات الأبيض تبزغ أمنا/ يزرع في الحقل سواقي الخير
تدور.. تدور/ وتروي عطش الزرع
حيث يرى الشاعر ما يطيب له من خلال ما يبغضه الرائي، فجمال النفس المنطلق من سخاء الطبيعة برمزها الباذخ الجالب للحياة/ المطر، التي تحول إليها القلب في ضمير الشاعر، هو ما يرجوه أن يضفي على هذه الصورة جمالًا وروعة ينشدها في اللون الأبيض كي يظهر ويبين من خلال اللون الأسود القاتم، كما ينشدها في الزرع الأخضر حتى يروي ظمأه ويترعرع، محافظًا على نمو الحياة من حوله، وذلك من خلال صورة بديعة للتوحد والتماهي بين القلب الحسي والمعنوي، وبين السحابة المادية المنتجة للمطر.
في نص "تخيَّر أمرك" ثمة صوت آخر مختلف، مغاير لما بدأ به نصوصه، وإن انطلق أيضًا من خلال الذات بخطابها إلى الذات، لينحاز إلى تيار من تيارات وعيه التي يشعر فيها وبها بجسامة مسؤولية تجميل وجه العالم من حوله؛ فهو يقول مناجيًا ذاته أيضًا:
غِبْ عن وعيك حتى أجل غير مسمى
فالواقع ليس جميلًا/ والسائد ليس أصيلًا
والنسر الجارح بات جريحًا/ فبمن تسعد؟!
هنا تنجرف الذات الشاعرة مع منحدرات الحياة، بعدما عانقت مرتفعات آمال ارتيادها وتطويعها وتجميل وجهها الذي أقره النص هنا على قبحه، مخالفًا رؤيته الطوباوية المحلقة، وما يترتب عليه من قبح في السائد ومنافاة للأصالة.. مع تبدل الأوضاع؛ فيأتي التساؤل المر "فبمن نسعد؟"؛ فقد يشعر الإنسان/ الشاعر بعدم الاكتمال حتى في معنى الشراسة التي يحملها النسر الجارح، وقد صار هذا منافيًا للسائد بالرغم من تلك الطبيعة الشرسة لوجوده.. هنا ينبت القبح واضحا جليًا من خلال العلاقة العكسية مع مفردات الجمال، والتي عكست بها الصورة الشعرية التي أتت بالأبيض من بين براثن الأسود في النص السابق "اقرأ قلبك"؛ فالشاعر هنا لا يقرأ قلبه، ولكنه يقرأ واقعا مذريًا لا يمت بأي صلة لواقعه البديل/ المأمول؛ فلذلك صارت له رؤية الأمور كلها على هذا النحو؛ فآثر الغيبوبة التي تبعده قليلًا عما يؤرق مشاعره النبيلة المتطلعة. وهي الإشكالية التي ربما عالجها الشاعر من خلال نصه "لا تحزن" والتي ربما وجد فيها تعويضًا جليًا ومفتاحًا سحريًا لأزمته مع الواقع، باللجوء إلى خالقه في لفتة إيمانية عميقة الأثر تتأثر إلى حد كبير بالنزعة الصوفية التي يرتجيها الشاعر في معظم نصوصه، مستمدة من بؤرة عقيدته الذاتية المتجذرة في ذاته؛ فهو يقول دافعا عن ذاته/ كونه/ عالمه، حزنه، ومناجيًا ذاته والذات الأخرى المنفتحة على العالم بحس إيماني كاشف:
حزنك خصمك/ فاحذر منه
هو ثعبان يلدغ في النفس/ وفي الحس/ وفي القلب
يأتي فعل الأمر التحذيري، لتوجيه الخطاب، ليقرع أجراس التنبيه بتقديم العبارة الخبرية على جملة التحذير ذاته لبيان خطورة المحذر منه، ثم يستكمل لبيان السببية المتعلقة بهذا القول/ التنبيه بتعبيره "هو ثعبان..." ليبلور القضية على نحو من التكثيف، وبراعة جذب الانتباه، من خلال الصورة المجازية التي تأتي من خلال "يلدغ في النفس.."، وهي الوعاء المعنوي الأكبر، الذي يتجسد في الجسد كوعاء مادي، كمقدمة، ثم يخترق الحس/ الشعور، ثم يكمن في القلب بمعنييه المادي والمعنوي، دلالة على التغلغل ومدى الدمار الذي يمكن أن يتمكن به الحزن من الإنسان/ الكون/ العالم.
فابعد عنه/ لا تنظر فيه/ لا تجلس بين يديه
أغلق بابك دونه/ والجأ لكتاب الله/ وانهل منه
يأتي التعبير هنا بأنسنة الحزن، والتعامل معه على أنه كيان حي له وجه وسمات مرئية ملموسة، إضافة إلى الحس بها، وككيان له حضرة وهيئة ومتكأ.. كما يأتي التعبير بالتضاد بين فعلي الغلق: الذي أتي تصريحيا في قوله: "أغلق بابك.."، والفتح: الذي جاء ضمنيا من خلال اللجوء إلى كتاب الله. كما يرتقي التعبير هنا ليتعانق مع الذات الإلهية، من خلال هذا اللجوء إلى "كتاب الله"، وهي مرجعية عقيدية، إيمانية، ربما وجد فيها الشاعر/ الإنسان ضالته، حيث لا ملجأ ولا معين؛ ليجد في هذا التوجه خلاصه.