إبادة الكرد… جريمة تتكرّر وصمت دولي لا يتغيّر

ورغم ضخامة المأساة، ظلّ الموقف الدولي دون مستوى الحدث، أقرب إلى المجاملة السياسية منه إلى الإدانة الأخلاقية، وكأن دماء الكرد لا تستحق أكثر من استنكار خافت في أروقة مغلقة.

الأنفال ليست مجرّد جريمة إبادة، بل وصمة في جبين الإنسانية، تُدوَّن لا بالحبر، بل بعظام أطفال ونساء دُفنوا أحياء تحت ركام صمت العالم. إنها لحظة مظلمة في تاريخ العراق، وأشد سواداً في ذاكرة الكرد، حيث تحوّلت الجغرافيا إلى مقبرة، والتاريخ إلى شاهد خجول على فظاعة لم تلقَ حتى الحدّ الأدنى من الاعتراف الدولي.

ورغم ضخامة المأساة، ظلّ الموقف الدولي دون مستوى الحدث، أقرب إلى المجاملة السياسية منه إلى الإدانة الأخلاقية، وكأن دماء الكرد لا تستحق أكثر من استنكار خافت في أروقة مغلقة. لم يُحاسب القتلة بالقدر الذي يليق بجريمتهم، ولم تُرفع راية العدالة فوق أنقاض القرى الكردية المدمّرة، بل رُفعت رايات المصالح والتحالفات المؤقتة.

والمفارقة أنّ هذه الجريمة لم تكن الأولى في سجل معاناة الكرد، ولن تكون الأخيرة في ظل استمرار التجاهل الدولي المزمن لحقوقهم، فالشعب الكردي، الممتد عبر أربع دول، لم يعرف في تاريخه الحديث سوى محاولات مستمرة لمحو هويته وتجزئة جغرافيته وإسكاته حين يطالب بحقه في تقرير مصيره. وما بين الوعود المقطوعة والمواقف المترددة، ظلّ الكرد ضحية لصفقات إقليمية تُعقد على حسابهم، وورقة ضغط تُلوَّح بها حين تقتضي الحاجة، ثم تُطوى حين تتغير الحسابات.

ابادة الكرد الجرح الذي لا يندمل
ابادة الكرد الجرح الذي لا يندمل

اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود على كارثة الأنفال، لا تزال ذاكرة الضحايا تنتظر عدالة لم تأتِ، وشعب بأكمله يعيش على هامش المعادلات الدولية، يُستخدم حيناً ويُتجاهل غالباً. إنها ليست فقط مأساة ماضٍ أليم، بل جرح مفتوح في ضمير العالم، يزداد عمقاً كلما استمر الصمت والتواطؤ.

الأنفال لم تنتهِ بعد، طالما لم يُحاسب الجاني، ولم يُعترف بالضحية.

إنها الإبادة التي تتكرّر في كل صفقة تتجاهل وجود الكرد، وفي كل تسوية سياسية تُقصيهم، وفي كل خطاب دولي يغض الطرف عن معاناتهم. وما لم يتغيّر هذا المنطق الأعوج في التعامل مع الكرد كـ"حالة وظيفية" لا كـ"قضية شعب"، فالعالم لا يختلف كثيراً عمّن دفنوا الضحايا… سوى أنه دفنهم بصمته .