تحركات إيرانية لعرقلة جهود العراق ولبنان لحصر السلاح بيد الدولة

مصادر تتحدث عن انشاء خلية تنسيق ثلاثية بين إيران وحزب الله وفصائل عراقية لتعزيز التسليح والتصنيع العسكري.
ايران تسعى لإيجاد بنى تحتية مستدامة لدى وكلائها تسمح لهم بالاستقلال في الإنتاج والتسليح
طهران لم تعد قادرة على تحصين نفوذها بالطرق التقليدية بعد الحروب الأخيرة مع اسرائيل

بغداد - تشير التطورات الإقليمية الأخيرة إلى أن إيران شرعت بخطوات واسعة لإعادة تنظيم وتسليح وكلائها في المنطقة، كرد فعل مباشر على الجهود المتصاعدة داخل العراق ولبنان لتقليص نفوذ الفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة. ففي وقت تتعالى فيه الدعوات في بغداد وبيروت لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، تسعى طهران لإجهاض هذه المبادرات عبر تدعيم وكلائها بالسلاح والخبرات، بما يُنذر بمزيد من التصعيد الإقليمي وتشبث إيراني بخيار "السلاح الموازي".
فبحسب مصادر عراقية مطلعة لموقع "مونت كارلو"، تعمل إيران منذ أسابيع على تنشيط قنوات الدعم العسكري للفصائل المسلحة، لا سيما تلك المنضوية ضمن ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، في كل من العراق ولبنان. وتُشير التقارير إلى أن التحركات الإيرانية الحالية هي الأوسع منذ سنوات، وتشمل ليس فقط تزويد الحلفاء بأسلحة متطورة، بل أيضًا إنشاء منظومة تنسيق استخبارية وعملياتية ثلاثية بين طهران، حزب الله اللبناني، والفصائل العراقية.
هذه الخطوات جاءت بعد زيارة أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى بغداد، حيث التقى بقيادات فصائل مسلحة بارزة. ثم استكملت لقاءاته في بيروت، حيث أجرى محادثات مع قادة من حزب الله. ووفقًا لمعلومات نقلتها حركة النجباء، فقد تمخضت هذه اللقاءات عن قرارين أساسيين: تشكيل خلية تنسيق ثلاثية، وتطوير منظومة تسليح متقدمة لدى تلك الفصائل، تشمل تكنولوجيا تصنيع محلي للأسلحة بإشراف إيراني.
ويُفهم من هذه التحركات أن طهران باتت تتعامل مع المساعي العراقية واللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة كتهديد مباشر لمصالحها الإقليمية. ففي العراق، تزداد الضغوط الشعبية والسياسية لحصر السلاح بيد القوات النظامية، خصوصًا مع التحديات الأمنية التي تفرضها الميليشيات المسلحة على استقرار الدولة. وفي لبنان، تتكرر الدعوات لدمج سلاح حزب الله ضمن إطار المؤسسة العسكرية الرسمية، كشرط أساسي لإعادة بناء الدولة وإنهاء الانقسام السياسي العميق.
ردّ إيران على هذه المبادرات لم يتأخر، ويبدو أنه يتخذ الآن طابعًا استباقيًا. فبدلاً من انتظار ما ستؤول إليه الأمور، تسعى طهران لتقوية بنيتها العسكرية غير الرسمية في المنطقة، بما يعزز موقف حلفائها في حال جرى الضغط عليهم لتسليم السلاح أو تقليص نفوذهم.
المثير في الأمر هو التوقيت، إذ تأتي هذه التحركات في ظل مرحلة إقليمية حرجة، تتسم بتصاعد التوترات بين إيران والقوى الغربية بشأن الملف النووي، وبعودة التلويح العسكري بين تل أبيب وحزب الله. وهذا ما يدفع بعض المراقبين إلى التحذير من أن تشكيل خلية تنسيق ثلاثية بين إيران وحلفائها قد يُشكل مقدمة لمرحلة جديدة من التصعيد، ليس فقط على الساحة اللبنانية أو العراقية، بل في عموم الإقليم.
كما أن سعي إيران لنقل تكنولوجيا التصنيع العسكري إلى داخل العراق ولبنان، يعني أن طهران لم تعد تعتمد فقط على تدفقات السلاح من أراضيها، بل تسعى لإيجاد بنى تحتية مستدامة لدى وكلائها، تسمح لهم بالاستقلال نسبيًا في الإنتاج والتسليح، ما يعقّد أي محاولة مستقبلية لحصر السلاح بيد الدولة.
ويُقرأ هذا التطور أيضًا كإشارة إلى فقدان الثقة المتزايد لدى طهران في إمكانيات استمرارية نفوذها بالطرق التقليدية، ما يدفعها إلى اتخاذ خطوات استباقية ، تحصّن بها "الواقع الميداني" ضد أي تسوية سياسية قد تتطلب تقليص حجم السلاح غير الشرعي أو تفكيك الميليشيات.
ولعل الأكثر دلالة هو تصريح أمين عام حزب الله العراقي، أبو حسين الحميداوي، الذي قال إن "فصائل محور المقاومة في المنطقة تتجه نحو امتلاك أسلحة متطورة"، في رسالة ضمنية برفض أي مشروع لنزع السلاح أو دمج الفصائل ضمن أجهزة الدولة الرسمية.
من زاوية أخرى، يرى محللون أن الخطوة الإيرانية تتجاوز مجرد رد الفعل، وتندرج ضمن استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تعريف محور المقاومة، بحيث يتحول إلى شبكة من الفاعلين العسكريين القادرين على العمل بشكل منسق في أكثر من ساحة، دون العودة بالضرورة إلى المركز في طهران. وهذا التطوير في العقيدة العملياتية يُعد بمثابة تحصين ضد احتمالات العزل السياسي أو العقوبات أو حتى الضربات العسكرية المحدودة.
وفي المحصلة، تبدو التحركات الإيرانية الأخيرة كمحاولة لإبقاء السلاح الموازي حاضرًا ومؤثرًا في معادلات العراق ولبنان، رغم ما يشهده البلدان من مساعٍ داخلية لإعادة بناء مفهوم الدولة. ومع تزايد مؤشرات التوتر، فإن هذا الإصرار الإيراني على تقوية وكلائه قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام، ويُعقّد فرص الاستقرار السياسي في البلدين، ما يجعل مسألة السلاح في يد الدولة معركة طويلة ومفتوحة على كافة الاحتمالات.