كردستان وصناعة الفارق رغم الأزمات

رغم الضغوط المستمرة من بغداد والعراقيل المتعمّدة أحياناً، تمكنت حكومة مسرور بارزاني من استثمار الموارد الطبيعية والبشرية والمالية لبناء نموذج مختلف داخل عراق مأزوم.

في وقت يعيش فيه العراق دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، يكتب إقليم كردستان قصة مختلفة على أرضه، فالتشكيلة التاسعة لحكومة الإقليم، برئاسة مسرور بارزاني، لم تكتفِ بإدارة الشؤون اليومية، بل دشّنت مساراً تنموياً واسعاً انعكس على حياة المواطنين.

ورغم الضغوط المستمرة من بغداد والعراقيل المتعمّدة أحياناً، تمكنت هذه الحكومة من استثمار الموارد الطبيعية والبشرية والمالية لبناء نموذج مختلف داخل عراق مأزوم.

في قطاع الاستثمار وحده، شهد الإقليم طفرة غير مسبوقة مع تنفيذ 564 مشروعاً بقيمة تجاوزت 24 مليار دولار. وتوزعت هذه المشاريع على الصناعة بـ142 مشروعاً بقيمة 3.6 مليار دولار، والتجارة بـ142 مشروعاً بقيمة 1.1 مليار دولار، والسياحة بـ78 مشروعاً بقيمة 7.5 مليار دولار، والإسكان بـ60 مشروعاً بقيمة 4.8 مليار دولار، إلى جانب 11 مشروعاً مشتركاً وأجنبياً بقيمة 5.1 مليار دولار.

ولم يُغفل القطاعان الخدمي والإنساني، إذ نُفّذ 49 مشروعاً في التعليم بقيمة 417 مليون دولار، و34 مشروعاً في الصحة بقيمة 366 مليون دولار، و21 مشروعاً في الزراعة بقيمة 561 مليون دولار، إضافة إلى استثمارات في الرياضة والفنون والخدمات المصرفية. هذه الأرقام لا تعكس فقط ضخامة الاستثمارات، بل تنوّعها، ما يعني اقتصاداً أكثر توازناً وفرص عمل أوسع.

البنية التحتية كانت أيضاً في قلب الأولويات، فقد أنجزت الحكومة 717 مشروع طرق، بينما هناك 402 مشروع آخر قيد التنفيذ، مع بناء 2618 كيلومتراً من الطرق الخارجية، وتنفيذ نحو 2000 مشروع للطرق الداخلية. وبلغ حجم الاستثمارات في هذا المجال أكثر من ستة تريليونات دينار، وهو ما جعل شبكات النقل أكثر انسيابية وساعد على تسهيل حركة التجارة والربط بين المدن.

لكن الإنجاز الأكبر الذي يشعر به الناس يومياً كان في قطاع الكهرباء. اليوم يتمتع نحو 4 ملايين مواطن، أي أكثر من نصف سكان الإقليم، بخدمة كهرباء على مدار الساعة، في حين أصبحت حلبجة أول محافظة في تاريخ العراق تحصل على الكهرباء المستمرة في كل مناطقها.

هذه النقلة النوعية سمحت بإيقاف تشغيل أكثر من 3200 مولد ديزل، مع خطة لوقف تشغيل أكثر من 7000 مولد إضافي بحلول نهاية عام 2026، وهو ما قلّل من التلوث والضوضاء وخفّف الأعباء الاقتصادية عن العائلات.

وفي مجال المياه، أُنجز بناء 8 سدود كبيرة بسعة تخزين تفوق 150 مليون متر مكعب، إلى جانب عشرات البرك الصغيرة في القرى والسهول. أما مشروع إمداد أربيل السريع بالمياه، فيُتوقّع أن يوفّر يومياً 480 ألف متر مكعب من المياه، أي ما يعادل 20 ألف متر مكعب في الساعة، وهو ما سيحل مشكلة العاصمة المائية لثلاثة عقود مقبلة. وبفضل هذه المشاريع، سيتم إغلاق آلاف الآبار الجوفية التي كانت المصدر الأساسي للمياه في السابق.

ولأن التنمية لا تقتصر على الاقتصاد والخدمات، فقد واصلت الحكومة جهودها في تطهير الأراضي من إرث الحروب. فقد تم تنظيف أكثر من 11.3 مليون متر مربع من الأراضي من الألغام، وتحرير 52 حقلاً ملغّماً بالكامل، مما أعاد الحياة لمناطق كانت مجمّدة لعقود. وفي موازاة ذلك، جرى ترميم قلعة أربيل ومنارة جولي كجزء من صون الهوية التاريخية، إلى جانب إطلاق مشروع الهوية الرقمية (KRDPass) وبرامج دعم الشباب مثل مشروع "گەشانەوە" الذي يموّل المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

هذه الأرقام الضخمة لم تمرّ من دون أن تثير التوتر مع بغداد. فبينما يرى سكان الإقليم في هذه المشاريع دليلاً على تقدم ملموس، تنظر السلطات الاتحادية إليها بعين الريبة. إذ تطالب حكومة بغداد إقليم كوردستان بتسليم جميع إيراداته المحلية، في وقت ينص الدستور على أن الإقليم ملزم فقط بتحويل نصف إيرادات المؤسسات الاتحادية العاملة داخله. ويرى مراقبون أن بغداد تتعمّد عرقلة التنمية عبر حرمان كوردستان من موارده، حتى إنها تلجأ إلى استخدام رواتب الموظفين كورقة ضغط سياسي. ومع ذلك، يصرّ الإقليم على التمسك بحقوقه الدستورية وعدم التراجع عن خدمة مواطنيه.

إن ما تحقق في كوردستان ليس مجرد سلسلة مشاريع، بل تجربة تثبت أن التنمية ممكنة حتى وسط أزمات سياسية عاصفة. فالإصرار على الاستثمار في البنية التحتية، وتوفير الكهرباء والمياه، وتطهير الأرض، وحماية الهوية الثقافية، كلها عناصر صنعت فارقاً ملموساً في حياة الناس. قد لا تكون الطريق سهلة، لكن تجربة الكابينة التاسعة تقول إن الإرادة السياسية والرؤية الواضحة قادرتان على تحويل التحديات إلى قصة نجاح، وإن كوردستان قادرة على أن ترسم مستقبلاً مغايراً لما يعيشه العراق اليوم.