أدوات الموت تصبح بيد لبناني منحوتات تضج بالحياة
رمحالا (لبنان) - في محافظة جبل لبنان وسط صخور بلدة رمحالا بقضاء عاليه، يستعيد الفنان اللبناني شارل نصّار فصول الحرب والذاكرة على طريقته الخاصة؛ شظايا وقذائف كانت يوما أدوات للموت، صارت بين يديه قطعا فنية تحكي قصة بلد عاش الحروب وتعلّم أن ينهض منها.
داخل متحف "شظايا"، الذي بناه بيديه يستقبل نصار (60 عاما) زواره برائحة الحديد وصوت الماء المتساقط بين الصخور، هناك، تتوزّع عشرات المنحوتات التي تحول مآسي الحرب إلى مشاهد حياة، وتستعيد تفاصيل القرية اللبنانية قبل أزيز الرصاص.
"تؤرخ" هذه الشظايا وقطع الحديد التي تعرض في المتحف لمحطات من الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، والعدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006، وانفجار مرفأ بيروت عام 2020 .
لم يسلم الفنان اللبناني من ويلات الحرب الأهلية، فاضطر في إحدى مراحل النزاع إلى مغادرة بلدته رمحالا، إلا أن ذكريات تلك الأيام لم تفارقه.
والحرب الأهلية اللبنانية هي حرب داخلية طاحنة، استمرت 15 عاما وبلغت خسائرها البشرية نحو 150 ألف قتيل. وُصفت بأنها "حرب الآخرين على أرض لبنان"، وانتهت بوضع ركائز النظام السياسي اللبناني الحالي، وبتسويات إقليمية.
جدّة نصار بحركاتها اليومية، لا تزال حاضرة في أعماله؛ في إحدى زوايا المتحف، تظهر وهي تعد خبز "الصاج" من التقليد اللبناني.
تماثيله تنقل بساطة حياة القرية وذكريات ما قبل الحرب التي عاشها مع أهله، بما فيها التراث اللبناني مثل رقص الدبكة والمشاهد اليومية للريف.
من بعيد، تتجلى أعماله في صورة فلاحين منهم من يكدّ في أرضه ومنهم من يعود مثقلاً بعد يوم شاق، وآخر يحصد القمح، فيما تصور قطعة أخرى امرأة تُعدّ خبز الصاج اللبناني التقليدي.
وفي لمسة مبتكرة، تجد مجسما لموسيقي يعزف على كمان مصنوع من قذيفة هاون، وآخر يضرب على طبلة مستوحاة من قذيفة "إينيرغا" وصبي عبارة عن قذيفة هاون يمشط شعره بفرشاة صنعت من مسامير القذيفة.
عند دخول الكهف الذي يضم مجموعة أعمال مذهلة، يستقبل الزائر مشهد لوحة مصنوعة من أقفال أبواب جمعها نصّار من انفجار مرفأ بيروت بالتزامن صوت مياه تتساقط بين الصخور حيث تماثيل حديدية دقيقة مزينة بأضواء داخل حفر في الحائط جعلتها تبدو غاية في الأناقة.
كما خصص نصّار مساحة لمجسمات حيوانات، من طيور وسلاحف وأحصنة، ويستمتع الزوار بتجربة ركوب سيارات حديدية قديمة صنعها بيديه، إضافة إلى مجسمات متحركة أبدع فيها مؤخرًا ولاقت إعجاب الجمهور.
زوار "شظايا" يجدون أمامهم مشاهد طبيعية وجمالية؛ فالفنان أقام على مطل الوادي الشوفي جسرا مرتفعا بين نخلتين، يمكن للزائرين تسلّقه عبر سلم.
ويقول نصار للأناضول إن تجربته انطلقت من "طفولة عصيبة" عاشها تحت وقع القذائف خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990).
وأضاف "كنت أجمع الشظايا في غرفة محروقة قرب البيت، ومع الوقت صنعت أولى القطع الفنية". وأشار إلى أنه تلقى دعوة للمشاركة في معرض فني، وهناك باع أعماله الأولى ما شجّعه على متابعة هذه التجربة التي وصفها بأنها نتاج "الغضب والألم والذكريات الصعبة".
وتابع نصّار "كل قطعة صنعتها كانت من دمي ووجعي، لكنها أيضا وفرت لي دخلاً ساعدني على الاستمرار".
وحول بداية تجربته بدقة، أوضح الفنان أنه غادر منزله في سن الـ17 خلال الحرب، وعاش 25 عاماً بعيداً عنه، قبل أن يعود إليه ليجده أطلالاً.
وأضاف "أول قطعة صنعتها كان عمري نحو 18 عاماً، ثم واصلت العمل على الشظايا والمخلفات خلال مختلف الحروب وصولا إلى انفجار مرفأ بيروت".
وبخصوص الانفجار، أوضح أنه لم يجد الشظايا المعتادة، بل "بقايا حديديّة من الحاويات والأبواب المتضررة"، وأشار إلى أنه يشارك في إصلاح البيوت فجمع 32 قفلاً من الأبواب التي تضررت بالضغط، وقال "صنعت منها لوحة تذكارية وضعتها على مدخل الكهف".
وخلف انفجار مرفأ بيروت، الذي وقع في أغسطس/ آب 2020، أكثر من 220 قتيل و7 آلاف جريح، ولم تنته التحقيقات القضائية بعد لمعرفة حقيقة هذا الانفجار وأسبابه.
كما تسبب الانفجار، الذي صنف بأنه رابع أقوى انفجار غير نووي بالعالم، بأضرار مادية هائلة طالت أجزاء واسعة من بيروت، التي ما زالت تئن تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة تعاني منها البلاد.
ووفق تقديرات رسمية، فإن الانفجار وقع في العنبر رقم 12، الذي كان يحوي نحو 2750 طنا من مادة "نترات الأمونيوم" شديدة الانفجار، كانت مصادرة من إحدى السفن، ومخزنة منذ 2014.
يوضح نصار أن المتحف، "يمتد على نحو ألفي متر مربع، مقسوم إلى قسمين الأول مخصّص للقطع المصنوعة من الحديد، والثاني للأعمال المنجزة من الشظايا كما وُجدت لآن الشظايا تكون قاسية… وأنا لا أغيّر شكلها، بل أستمع لِما توحي به".
ويقول "في باطن الأرض، حيث كان بئر مياه تراثي مطمورا، أعدت إليه الحياة فوسّعته وحولته الى كهف بطول 120 مترًا خلال فترة كورونا، ووضعت في حفر مضيئة بجدرانه تماثيل صغيرة مصنوعة من الشظايا وأخذ طابعًا يشبه المتاحف الوطنية، يجمع بين أدوات الحرب والفرح".
ويضيف "عدد القطع في المتحف بين أكثر من 200 قطعة من الشظايا، وأكثر من 200 قطعة من الحديد لذلك هناك معرض خارجي وآخر داخلي".
رغم أن أعماله خرجت من رحم الحرب، يؤكد نصّار أن معروضاته لا تجسّد مشاهد قتال، بل الحياة التي عاشها قبل الحرب. ويقول "رغم الحرب صوّرت في أعمالي الموسيقيين والرقص والدبكة والريف وأيام الطفولة".
ويضيف "رسالتي للشباب وأولادي والأجيال المقبلة هي: أن أسوأ أيام العمر يمكن للإنسان أن يعيشها، لكنه قادر أن ينظر إليها بإيجابية، وأن يزيل عنها مسحة الحزن والدمار، وأن يغيّرها إذا أراد، وأن يضع هدفا أمامه ويتقدّم نحوه، كما فعلت أنا؛ من الحرب صنعت الفرح والسلام والفن".
ويتابع "هذه الحرب المدمّرة في أيامي، ومن جيلي الكثير من الشباب حملوا السلاح وأنا على العكس لم أحمله بل حملت المهنة والهواية والشغف الذي هو النقيض التام للحرب والرشاش والرصاص".
أكثر ما يفاجئ الفنان نصار هو تفاعل الزوار إذ يقول "لم أكن أتوقع أن يتحوّل المتحف إلى مساحة علاجية، والناس يأتون ليُفرغوا أوجاعهم هنا، فهم عاشوا ما عشته، الأسود صار أبيض… والقبح أصبح جميلاً".
وبينما يتجوّل بين منحوتاته، يستعيد نصّار لحظات صمته الطويلة مع الحديد، قبل أن يضيف بابتسامة: "في زمن الحرب حمل كثيرون السلاح… أنا حملت المهنة والشغف وصنعت من هذه الشظايا أدوات فرح. ربما لهذا السبب نجحت".