شدّ وجذب صامت بين واشنطن وطهران حول التجديد للسوداني
بغداد - من جديد، يعود العراق ليقف في قلب التوازنات المتحركة بين واشنطن وطهران، فنتائج الانتخابات الأخيرة التي بدا أنها تمنح رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني زخماً سياسياً، لم تُنهِ الجدل حول مستقبل الحكم بقدر ما أعادت تنشيط صراع النفوذ على هوية بغداد ودورها الإقليمي. وفي هذا السياق، يضع معهد واشنطن مسألة التجديد للسوداني داخل إطار أوسع من مجرد تنافس محلي، لينظر إليها باعتبارها محطة جديدة في لعبة الشدّ والجذب بين الولايات المتحدة وإيران.
السوداني بين قبول واشنطن وتحفّظ طهران
على الرغم من العلاقات "الجيدة" بين السوداني والولايات المتحدة خلال السنوات الثلاث الماضية، وتحسّن صورة بغداد لدى المؤسسات الأميركية بعد سنوات من القطيعة، يرى معهد واشنطن أن التجديد له لن يمر بسهولة. والسبب لا يعود فقط لضعف مقاعد ائتلافه الانتخابي، بل لأن قوى الإطار التنسيقي المدعومة من إيران لم تعد تنظر إليه بوصفه جزءاً مطواعاً من منظومتها كما كان يُعتقد عشية تكليفه في 2021.
وتشير قراءة المعهد إلى أن السوداني خاض حملته من دون دعم علني من طهران أو فصائلها، وراهن على إنجازات محلية عززت رصيده الشعبي، خصوصاً لدى العرب السنة، وعلى سياسة خارجية حاول فيها موازنة النفوذ الإيراني من جهة، والحفاظ على قناة مستقرة مع واشنطن من جهة أخرى.
إلا أن هذا الهامش الذي كسبه السوداني لن يمرّ من دون ثمن: فنجاحه الداخلي وإعادة تموضعه الخارجي جعلا منه شخصية غير مريحة لطهران على نحو متزايد.
الانتخابات… نتائج مشجعة بواجهة، مُقلقة في العمق
ورغم أن نتائج الانتخابات بدت في ظاهرها مؤشراً إيجابياً نحو تشكيل حكومة أكثر انسجاماً مع واشنطن، خصوصاً بعد تراجع هيمنة بعض القوى الشيعية التقليدية، إلا أنّ الواقع البرلماني أكثر تعقيداً بكثير: السوداني حصل على 46 مقعداً فقط، أي حوالي 15 بالمئة من البرلمان، الإطار التنسيقي الذي يحتفظ بولاء سياسي لطهران، ما يزال الكتلة الأوسع. والقوى الشيعية لم تتفق على مرشح واحد، وتحتاج إلى دعم السنة والكرد لتمرير أي حكومة.
وهنا، يرى التقرير أن النجاحات الانتخابية الجزئية لا تعني بالضرورة تغيّراً في مسار القرار السياسي، لأن البيئة السياسية العراقية تعمل بنظام المحاصصة الشامل وليس بحكومة أغلبية ومعارضة، ما يجعل تشكيل الحكومة لعبة مساومات طويلة، وممتدة أحياناً لأشهر.
سياسات السوداني… موازنة محفوفة بالمخاطر
يرى معهد واشنطن أن ثنائية "رضا واشنطن" و"حذر طهران" تعود إلى أداء السوداني خلال ولايته، حيث قدم سلسلة خطوات لافتة:
1. بناء علاقة مستقرة مع واشنطن
شجّع الاستثمارات الأميركية عبر شركات مثل "إكسون" و"شيفرون" وعارض طرد القوات الأميركية، مفضلاً إعادة انتشار تدريجية.
2. تقليص اعتماد العراق على إيران
خفض السوداني اعتماد العراق على الكهرباء والغاز الإيرانيين وفعّل علاقات بغداد مع الدول العربية، وحضر فعاليات إقليمية بدعم أميركي.
3. سياسة خارجية أكثر استقلالية
أعاد فتح خط النفط بين كردستان وتركيا ووقع اتفاقات مع أنقرة حول المياه والأمن كما منع انزلاق العراق إلى حرب غزة عبر ضبط فصائل الحشد.
هذه الخطوات أعطت السوداني صورة رئيس "متوازن" في نظر واشنطن، لكنها في المقابل قلّصت هامش الثقة الإيرانية فيه، خصوصاً مع شعور الإطار التنسيقي بأنه قدم "تنازلات" لا تصب في مصلحة طهران.
دمشق، أنقرة، الحشد… ساحات اختبار للنفوذين الأميركي والإيراني
إحدى النقاط التي ركز عليها المعهد هي أن العراق، في عهد السوداني، أصبح مساحة اختبار للمصالح الأميركية والإيرانية، حيث تدعم واشنطن بناء دولة عراقية أقل اعتماداً على طهران، وأكثر اندماجاً مع العالم العربي، في وقت تسعى إيران لضمان بقاء جارتها ضمن "محور المقاومة" والتحكم بالقرار الأمني والعسكري فيها.
ومع أن السوداني استفاد من توازن دقيق بين الجانبين، إلا أنّ التجديد له سيضعه في قلب المعادلة مرة أخرى، حيث لا يمكن لأي طرف القبول بصعود شخصية تبتعد أكثر عن دائرته.
التجديد للسوداني… حسابات أبعد من البرلمان
وفق تقرير معهد واشنطن، فإن الصراع على التجديد للسوداني ليس تنافساً دستورياً فقط، بل جزءاً من معركة أوسع بين طهران وواشنطن حيث ترى الأخيرة في بقائه ضرورة لاستمرار الانفتاح الاقتصادي والسياسي، بينما ترى إيران أن التجديد له سيجعل بغداد تنتقل تدريجياً خارج محور نفوذها.
وتعاني القوى الشيعية، رغم حصولها على الأغلبية، انقساماً داخلياً يجعل أي قرار نهائي مرهوناً بمفاوضات مرهقة ومعقدة. وإذا تمكنت إيران من فرض كلمتها، فإن التقرير يحذّر من عودة العراق إلى مرحلة التوترات التي عرفها خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى، عندما أصبح ساحة مواجهة مباشرة بين النفوذين.
العراق مقبل على اختبار جديد للنفوذ الخارجي
في ضوء هذه المعطيات، يبدو التجديد للسوداني، من منظور معهد واشنطن، فصلاً جديداً في معركة النفوذ الأميركي – الإيراني، لا مجرد تنافس سياسي محلي. فالعراق يقف اليوم على مفترق طرق: إما استكمال مسار الانفتاح على واشنطن والعالم العربي، أو العودة إلى دائرة الهيمنة الإيرانية المباشرة عبر الإطار التنسيقي.
وفي الحالتين، ستكون هوية الحكومة المقبلة مؤشراً مباشراً لاتجاه الريح الإقليمية، ومدى قدرة بغداد على الإفلات من موقع "ساحة المعركة" بين قوتين تتعامل كل منهما مع العراق باعتباره محورياً لأمنها ومصالحها الاستراتيجية.