التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا
التدخلُ العسكري الأميركي في فنزويلا من أكثر القضايا حساسيةً وتعقيدًا في المشهد السياسي الدولي، لأنه يجمع بين اعتبارات السيادة الوطنية، والصراع الجيوسياسي، والمصالح الاقتصادية، وخطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، الذي كثيرا ما يُستخدم لتبرير السياسات الخارجية للقوى الكبرى.
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، وهو عامل لم يكن يومًا بعيدًا عن حسابات السياسة الأميركية. منذ وصول هوغو تشافيز إلى الحكم عام 1999، ثم استمرار النهج نفسه مع نيكولاس مادورو، تبنّت فنزويلا سياسة خارجية مستقلة نسبيًّا عن واشنطن، ونسجت تحالفات مع قوى تعتبرها الولايات المتحدة خصومًا استراتيجيين، مثل روسيا والصين وإيران. هذا التحول وضع فنزويلا في قلب صراع نفوذ يتجاوز حدودها الوطنية.
اتبعت الولايات المتحدة نهجًا تصاعديًّا تجاه فنزويلا، بدأ بالعقوبات الاقتصادية المشددة، مرورًا بدعم المعارضة سياسيًّا وإعلاميًّا، وصولًا إلى التلويح المتكرر بالخيار العسكري، خصوصًا خلال فترات التوتر القصوى. والعقوبات الأميركية، التي وُصفت بأنها بديل عن الحرب، كان لها أثر عميق على الاقتصاد الفنزويلي وعلى حياة المواطنين، حيث ساهمت في تعميق الأزمات المعيشية، وهو ما يطرح سؤالًا أخلاقيًّا جوهريًّا: هل يمكن تبرير الضغط الذي يدفع ثمنه شعبٌ كامل بحجة تغيير النظام السياسي؟
تُبرّر واشنطن سياساتها تجاه فنزويلا بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي شعارات تحمل في ظاهرها قيمًا إنسانية نبيلة، غير أن التجربة التاريخية للتدخلات العسكرية الأميركية في دول أخرى تُظهر أن هذه الشعارات تُخفي مصالح استراتيجية واقتصادية أعمق، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالطاقة والنفوذ الإقليمي.
والتدخل العسكري الأميركي قد يفتح الباب أمام فوضى سياسية وأمنية طويلة الأمد، ويحوّل فنزويلا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، يدفع ثمنه الشعب الفنزويلي قبل غيره. وهذا التدخل لن يقتصر أثره على الداخل الفنزويلي، بل سيمتد إلى أميركا اللاتينية بأكملها، وهي منطقة لها تاريخ طويل من المعاناة مع التدخلات الخارجية، كما أنه سيعزز الاستقطاب الدولي، ويدفع قوى كبرى إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا، ما يزيد من احتمالات الصدام غير المباشر بين القوى العظمى.
إن هناك أزمة عميقة في النظام الدولي، حيث ما تزال القوة تُقدَّم على القانون، والمصلحة على العدالة. والحل الحقيقي لأزمة فنزويلا لا يمكن أن يُفرض من الخارج عبر السلاح أو العقوبات، وإنما ينبع من حوار وطني شامل، ودعم دولي يحترم السيادة، ويضع مصلحة الشعب الفنزويلي فوق كل اعتبار. والتاريخ يُعلّمنا أن التدخلات العسكرية قد تُسقط أنظمة، لكنها نادرًا ما تبني دولًا مستقرة وعادلة.