أغاني 'المداح'.. أدعية تجعل الروح شريكة في حكاية المسلسل
القاهرة ـ منذ انطلاق موسمه الأول، اختار مسلسل "المداح" أن يسلك طريقًا مختلفًا في الدراما التلفزيونية العربية، بأن يجعل الإنشاد الديني والأغاني الروحانية جزءًا بنيويًا من السرد الدرامي. هذا الخيار الفني منح العمل هوية خاصة، ورسّخ حضوره كأحد الأعمال القليلة التي أعادت الاعتبار للبعد الروحي داخل الدراما الشعبية، بأسلوب معاصر يخاطب وجدان المشاهد العربي.
في "المداح"، تتحول الأناشيد الدينية إلى لغة سردية موازية للصورة، تعبّر عن الصراع الأزلي بين الخير والشر، وتكشف التحولات النفسية والروحية التي يعيشها البطل "صابر المداح"، الذي يجسده الفنان حمادة هلال، فالصوت هنا امتداد للصورة، والإنشاد مرآة للداخل الإنساني، يعبّر عن الإيمان والقلق، وعن التردد بين عالم محسوس وآخر غيبي، يتداخلان باستمرار في مسار الأحداث.
هذا المزج بين الدراما والإنشاد منح المسلسل خصوصية لافتة، وجعل الجمهور لا يكتفي بمتابعة الحبكة، بل يدخل في حالة وجدانية تتجاوز الشاشة، فكثير من الأغاني تحوّلت إلى أدعية أو مقاطع إنشادية تُستعاد خارج سياق العمل، وتُتداول على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية، لتصبح جزءًا من الذاكرة السمعية للجمهور العربي. وبهذا المعنى قدّم "المداح" تجربة سمعية-بصرية متكاملة، تخاطب العقل والروح في آن واحد.
وساهم حمادة هلال في ترسيخ هذا الطابع، بحكم رصيده الغنائي الطويل في مجال الأغاني الدينية والروحانية، فمنذ أغنية "محمد نبينا" (2007)، التي حققت انتشارًا واسعًا في مختلف أنحاء العالم العربي، ارتبط اسمه بالإنشاد الديني ذي الحس الشعبي القريب من الناس، وأصبحت له تجربة مكّنته من أداء الإنشاد داخل المسلسل بصدق وإحساس يتجاوز الأداء التمثيلي، ليبدو وكأنه يعبّر عن إيمان الشخصية لا عن دور مكتوب فقط.
وتحولت أغاني الأجزاء السابقة، مثل "مدد يا رب" و"يا رسول الله"، إلى علامات فارقة في ذاكرة الجمهور، وأسهمت في تعميق الارتباط بين شخصية "صابر المداح" والبُعد الصوفي الذي يحمله. ومنحت هذه الأغاني الشخصية مصداقية إضافية، إذ بدا "صابر" وكأنه يواجه ابتلاءاته بالصوت كما بالصورة، ما عزّز من قوة التأثير الدرامي، وكرّس الإنشاد بوصفه امتدادًا طبيعيًا لمسار الشخصية.
ومع الجزء السادس، يواصل "المداح" تطوير هذا الجانب، في محاولة واضحة للحفاظ على وهجه وتجديد أدواته الفنية دون التفريط في روحه الأساسية. ويبرز هذا التطوير في عدة محاور، أولها إطلاق ثلاث أغانٍ دعائية قبل عرض العمل في موسم رمضان 2026، في خطوة تعكس وعي صنّاع المسلسل بأهمية التمهيد الموسيقي في بناء حالة وجدانية مسبقة، وخلق ارتباط مبكر بين الجمهور والعمل.
وجاءت هذه الأغاني من تلحين الشاعر والملحن مصطفى شكري، الذي أصبح اسمه مرتبطًا بالهوية الموسيقية للمسلسل، وأسهم بأسلوبه في صياغة مزيج متوازن بين الإنشاد الصوفي والنغمة المعاصرة، بما يجعل الأغنية قادرة على الوصول إلى جمهور واسع، دون أن تفقد عمقها الروحي.
أما المحور الثاني، فيتمثل في مشاركة المنشد المغربي شعيب فضيل، الذي ينظر إلى الإنشاد بوصفه تعبيرًا عن الهوية الثقافية والدينية، مع الحرص على تقديم أعمال تناسب الذائقة العربية المشتركة.
وقد عبّر فضيل عن فخره بالمشاركة إلى جانب حمادة هلال، معتبرًا أن هذه التجربة تمثل دخولًا من "الباب الكبير" إلى الدراما المصرية. وتفتح هذه الإضافة أفقًا عربيًا أوسع، وتؤكد أن الروحانية لغة جامعة تتجاوز الحدود الجغرافية، وقادرة على مخاطبة وجدان عربي متنوع المشارب.
ويأتي المحور الثالث في الطابع الموسيقي الجديد، إذ لا تقتصر أغاني "المداح 6" على القوالب الدينية التقليدية، بل تحمل رؤية أكثر حداثة، تمزج بين الإنشاد الكلاسيكي والتوزيع العصري، بما ينسجم مع تصاعد الأحداث وتعقّد الصراع الدرامي. ويهدف هذا التحديث إلى الحفاظ على روح العمل، مع تقديمه بشكل أقرب إلى ذائقة الأجيال الجديدة، التي تبحث عن مضمون روحي بلغة موسيقية معاصرة.
ويُستخدم الإنشاد كعنصر فاعل في بناء المعنى، إذ يعكس الصراع الداخلي لشخصية البطل بين الإيمان والابتلاء، ويمنح المشاهد لحظات تأمل وسط الأحداث المشحونة بالصدام مع قوى الشر. ويعيد المسلسل الجمهور في كل مرة إلى الجذور الروحانية التي يقوم عليها، مؤكدًا أن الدراما التلفزيونية يمكن أن تكون مساحة للتعبير الديني والوجداني دون خطاب مباشر أو وعظ تقليدي.
ويعمل الإنشاد هنا كجسر بين العالم المرئي والعالم الغيبي، وبين التوتر الدرامي والسكينة الروحية، ليخلق توازنًا نادرًا في الأعمال الدرامية المعاصرة. ففي الوقت الذي تتسارع فيه الأحداث، يأتي الصوت الإنشادي ليبطئ الإيقاع، ويفتح نافذة للتأمل والمعنى.
وكان التركيز في الأجزاء السابقة منصبًا على صوت حمادة هلال بشكل أساسي، مع حضور محدود لأصوات أخرى، يشهد الجزء السادس انفتاحًا أكبر عبر إدخال أصوات جديدة، وإطلاق أغانٍ متعددة قبل العرض، في خطوة تعكس رغبة صنّاع العمل في تطوير التجربة السمعية دون القطيعة مع الماضي. فالتجديد هنا بناءٌ على ما تحقق، لا هدم له.
وقد انعكس هذا الاهتمام بالإنشاد على جماهيرية المسلسل، إذ تحظى أغاني "المداح" بانتشار واسع على منصات التواصل الاجتماعي، وغالبًا ما تُتداول كمقاطع إنشادية مستقلة، تُستمع خارج سياق العمل الدرامي. وأسهم هذا الحضور في ترسيخ هوية مميزة للمسلسل، جعلت اسمه مقترنًا بالروحانية والبعد الديني في الذاكرة الجماعية العربية.
وتحمل هذه الأغاني في هذا العمل الدرامي رسالة إنسانية تتجاوز الجانب الفني، إذ تتناول قيم الصبر، والإيمان، ومواجهة الشر، والتمسك بالقيم الروحية في عالم مضطرب. وبهذا، ينجح "المداح" في تقديم نموذج درامي يزاوج بين التشويق والبعد الروحي، ويؤكد أن الإنشاد الديني يمكن أن يكون أداة فنية عميقة، قادرة على التأثير في الوجدان العربي، تمامًا كما تفعل الصورة والكلمة.