المضيف السومري يصنع فضاء للفنون والذاكرة العراقية الحيّة

الأهوار وبيوت القصب استخدمت في الفنون العراقية باعتبارها رمزًا للهوية ومادة خصبة للفنانين والمخرجين والمصورين.

بغداد - شكّل المضيف السومري وبيوت القصب في أهوار جنوب العراق أحد الفضاءات البصرية والرمزية حضورًا في السينما والدراما والفنون العراقية، بوصفه امتدادًا حيًا لحضارة ضاربة في عمق التاريخ. 

هذه العمارة الفريدة، المصنوعة من القصب والبردي، لم تكن مجرد مأوى أو مكان للضيافة، بل تحوّلت عبر العقود إلى عنصر سردي وجمالي مكثف الدلالات، يجمع بين الإنسان والطبيعة، وبين الماضي السومري والواقع المعاصر.

فالمضيف، بقناطره المقوّسة وبنائه المفتوح على الماء والسماء، يحمل في تكوينه المعماري بعدًا تشكيليًا فريدًا، جعله مادة خصبة للفنانين والمخرجين والمصورين، الذين وجدوا فيه فضاءً بصريًا يختصر مفاهيم الكرم، والجماعة، والحكمة الشعبية، ويعبّر في الوقت ذاته عن علاقة الإنسان الأولى بالماء، التي قامت عليها حضارات وادي الرافدين.

ومنذ بدايات السينما العراقية، أدرك المخرجون أهمية البيئة الجنوبية بما تحمله من خصوصية ثقافية وإنسانية، فكانت الأهوار وبيوت القصب والمضايف حاضرة في عدد من الأفلام التي سعت إلى تقديم صورة صادقة عن المجتمع العراقي، بعيدًا عن النمطية، وقريبة من نبض الناس وحياتهم اليومية. ولم يكن اختيار هذه الأمكنة عفويًا، بل نابعًا من وعي بأن المكان في السينما ليس خلفية محايدة، بل عنصر فاعل في بناء المعنى.

ويُعد فيلم "بيوت في ذلك الزقاق" (1977) للمخرج قاسم حول من أبرز الأعمال التي التفتت مبكرًا إلى البيئة الشعبية العراقية، مستعينًا بمشاهد صُوِّرت في مناطق قريبة من الأهوار.
الفيلم، الذي شارك في بطولته نزار السامرائي وسعدية الزيدي، لم يقدّم الأهوار كديكور خارجي فحسب، بل استخدمها كجزء من البنية الدرامية، لتعكس طبيعة العلاقات الإنسانية والبساطة القاسية للحياة في الهامش. وأسهمت مشاهد بيوت القصب والمياه الهادئة في منح الفيلم طابعًا بصريًا خاصًا، عزّز من واقعيته وعمقه الاجتماعي.

وإلى جانب الأفلام الروائية، احتلت الأهوار والمضايف السومرية مساحة واسعة في الأفلام الوثائقية التي أنتجتها وزارة الثقافة العراقية وقنوات محلية منذ السبعينيات وحتى اليوم. وقد ركزت هذه الأعمال على العمارة التقليدية، وطقوس الضيافة، ودور المضيف بوصفه مركزًا اجتماعيًا تُحلّ فيه النزاعات، وتُستقبل فيه الوفود، وتُروى فيه الحكايات الشعبية. وقدّمت هذه الوثائقيات الأهوار بوصفها تراثًا حيًا لا أثرًا جامدًا، مسلّطة الضوء على استمرارية نمط العيش السومري عبر آلاف السنين.

في السنوات الأخيرة، عاد عدد من المخرجين الشباب إلى الأهوار، مستخدمين المضيف وبيوت القصب كخلفية لأفلام مستقلة عُرض بعضها في مهرجانات محلية ودولية. هذه الأعمال لم تكتفِ بالبعد التراثي، بل وظّفت المكان لطرح قضايا معاصرة، مثل الجفاف، وتراجع التنوع البيئي، وهجرة السكان. فالمضيف، في هذه الأفلام، تحوّل إلى مساحة رمزية للحوار بين الأجيال، وبين الإنسان والطبيعة، وبين الذاكرة والخطر المحدق بالمستقبل.

وقد منح إدراج الأهوار العراقية على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2016 دفعة جديدة لهذا التوجه، إذ شجّع صناع السينما والفنون البصرية على استثمار المكان بوصفه قيمة ثقافية عالمية، قادرة على مخاطبة جمهور خارج الحدود العراقية بلغة الصورة والإنسان، بعيدًا عن الخطاب المباشر.

وامتد حضور المضيف السومري وبيوت القصب من السينما إلى المسلسلات الدرامية العراقية، خصوصًا في التسعينيات وبداية الألفية. ويُعد مسلسل "ذئاب الليل" من أبرز الأعمال التي استعانت بمشاهد من الأهوار، لتكريس البيئة الجنوبية كجزء من السرد الدرامي، وليس مجرد خلفية تصوير. فقد أسهمت الطبيعة المائية والمضايف المفتوحة في تعزيز الإحساس بالغموض والصراع، ومنحت العمل بعدًا بصريًا مختلفًا عن السائد آنذاك.

كما تناول مسلسل "أعماق الأزقة" الحياة الشعبية العراقية، معتمدًا على فضاءات قريبة من الأهوار من حيث العمارة ونمط العلاقات الاجتماعية، ليقدّم صورة واقعية عن المجتمع، ويعيد الاعتبار لبيوت القصب بوصفها رمزًا للبساطة والتماسك الاجتماعي. وحتى في الأعمال التي لم تُصوَّر مباشرة في الأهوار، مثل "خان الذهب" و"تحت موس الحلاق"، ظلّ أثر العمارة الشعبية، المستوحاة من القصب والمضايف، حاضرًا في تصميم الديكورات وبناء الشخصيات، ما يعكس تأثير البيئة الجنوبية في المخيال الدرامي العراقي.

ولم يقتصر حضور المضيف السومري على السينما والدراما، بل امتد إلى الفنون التشكيلية، حيث شكّلت الأهوار مصدر إلهام لعدد كبير من الرسامين والنحاتين العراقيين. فقد ظهرت بيوت القصب والمضايف في لوحات تجريدية وتعبيرية، بوصفها رمزًا للثبات في مواجهة التحولات، أو كاستعارة بصرية للهوية المهددة. كما استُخدم القصب نفسه مادة خام في بعض التجارب النحتية والتركيبية، في محاولة لدمج المادة بالمعنى، وإعادة توظيف عناصر البيئة في العمل الفني.

وفي مجال التصوير الفوتوغرافي، تحوّل المضيف السومري إلى موضوع أساسي لمعارض محلية ودولية، ركزت على تفاصيل العمارة، وانعكاسات الضوء على الماء، ووجوه السكان، وحياتهم اليومية داخل هذه الفضاءات. وأسهمت هذه الصور في ترسيخ صورة الأهوار في الذاكرة البصرية المعاصرة، وقدّمتها للعالم بوصفها مشهدًا إنسانيًا وجماليًا فريدًا.

كما شهدت الأهوار تنظيم نشاطات ثقافية ومهرجانات فنية، شملت أمسيات شعرية، وعروضًا موسيقية شعبية، وفعاليات فلكلورية أُقيمت داخل المضايف أو في محيطها. وقد أعادت هذه الفعاليات إحياء دور المضيف بوصفه مركزًا ثقافيًا واجتماعيًا، لا يقتصر على الضيافة، بل يحتضن الفنون الشفاهية والموسيقية، ويعزز التواصل بين الفنانين وأبناء المنطقة.

وفي بعض التجارب الحديثة، جرى توظيف المضيف السومري في عروض أدائية ومسرحية، اعتمدت على المكان الطبيعي بدل الخشبة التقليدية، ما أضفى على العروض بعدًا تفاعليًا، وجعل الجمهور جزءًا من التجربة. هذا التوجه أعاد تعريف العلاقة بين الفن والمكان، وفتح آفاقًا جديدة لاستخدام التراث المعماري في التعبير الفني المعاصر.

لا تُستخدم الأهوار وبيوت القصب في الفنون العراقية بوصفها مشاهد جميلة فحسب، بل باعتبارها رمزًا للهوية. فالمضيف السومري يجسّد قيم الكرم، والتضامن، والحكمة الجماعية، ويعكس علاقة الإنسان بالماء، الذي شكّل أساس الحضارة في بلاد الرافدين. لذلك، فإن حضوره في الأعمال الفنية يمنحها عمقًا ثقافيًا، ويعيد ربط الحاضر بجذوره التاريخية.

كما أسهمت هذه الأعمال في لفت الانتباه إلى التحديات البيئية التي تواجه الأهوار، من جفاف وتغيّر مناخي وتراجع الموارد المائية، مذكّرة بأن المكان ليس مجرد إرث جمالي، بل كيان حيّ مهدد يحتاج إلى حماية. وقد نجحت السينما والفنون البصرية، عبر الصورة والحكاية، في تحويل هذه القضايا إلى موضوع إنساني قريب من الجمهور.

في المحصلة، شكّلت الأهوار والمضايف السومرية ركيزة أساسية في عدد من التجارب السينمائية والدرامية والتشكيلية العراقية، القديمة والحديثة. ومع تزايد الوعي بقيمة هذا التراث، وتنامي الاهتمام المحلي والعالمي به، تبدو هذه الفضاءات مرشّحة لمزيد من الحضور في الأعمال الفنية المقبلة، لتظل الأهوار، ببيوت قصبها ومضايفها، مرآة لروح العراق، وحكاية مفتوحة بين الماء والإنسان والذاكرة.