رائد الأدب الإنكليزي الحديث لورانس دوريل

الكاتب الإنكليزي الراحل ترك مشروعا إبداعيا ممتد حفل بالروايات والمسرحيات والنقد الأدبي، وأيضًا بالسيرة الذاتية.

بين عامي 1957 و1960 نشر الكاتب الإنكليزي لورانس جورج دوريل "رباعية الإسكندرية" الشهيرة، وتشمل أربع روايات، هي: "جوستين - بالتازار - مونت أوليف – كليا". وقد ذاع صيت الرباعية، ولا تزال حتى الآن تلفت أنظار القرّاء، ويشيد بها النقاد، وينظرون إلى كاتبها على أنه أحد أهم الأدباء العالميين في القرن العشرين؛ فمن يكون لورانس دوريل؟

إنه كاتب بريطاني من أبوين أيرلنديين، وكان مولده في منطقة جبال الهملايا، وتحديدًا في السابع والعشرين من فبراير/شباط عام 1912. وفي الهند التي عاش فيها طفولته دخل مدرسة ظل فيها حتى العاشرة من عمره، ثم انتقل إلى مدرسة إنكليزية في مقاطعة كانتربري بإنكلترا. وأثناء شبابه ارتحل إلى جزيرة كورفو اليونانية المجاورة لجزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط، وقد جاء ضمن مؤلفاته كتاب كامل عن كورفو سماه "زنزانة بروسبيرو" وصدر عام 1945، أما كتابه "فينوس البحار"، الذي كتبه قبله بعشر سنوات، فهو عن رودس.

ولا يمكن إغفال أن رواية "ربيع الفزع" الصادرة عام 1937 كتبها دوريل هناك، وأبدع فيها بفضل الطبيعة الخصبة والهواء المنعش لجزيرة كورفو التي عشقها واختارها مكانًا للعيش؛ إذ كانت عائلته تعاني من نزلات البرد في إنكلترا، ولذلك سعى إلى إقناع أمه وإخوته بضرورة السفر لتغيير الجو ومشاهدة أماكن ومعالم جديدة، واقترح عليهم اليونان لأن أخاه كان قد ألّف عنها كتابًا، وهو أيضًا أحبها. وهناك عاش دوريل فترة يصفها بالبديعة امتدت إلى ست سنوات تقريبًا، حتى قامت الحرب العالمية الثانية.

*معاناة دوريل ومساهمتها في مشواره الأدبي:

مما يستحب ذكره عند الحديث عن دوريل أنه عانى في بداية حياته بعض الشيء، ولهذه المعاناة قصة يمكن تلخيصها في أنه كان كثير الرسوب في امتحانات القبول التي تجريها جامعة كمبريدج، ولم ينجح في الالتحاق بالجامعة لتحقيق حلم والديه في العمل موظفًا حكوميًا في الهند التي كانت مستعمرة بريطانية في ذلك الوقت. وبعد رفض كمبريدج له أقام في لندن وحاول أن يعيش بالمبلغ المالي اليسير الذي معه، لكنه اضطر إلى العمل، فاشتغل أولًا عازفًا للبيانو في ملهى ليلي، إلى أن أغار رجال الشرطة على الملهى وقرروا إغلاقه لمخالفته القانون. وظل دوريل بعد هذه الحادثة يبحث عن عمل، واضطر في النهاية إلى أن يصبح سمسارًا للعقارات، فصار يمر على البيوت لتحصيل الإيجارات، وكثيرًا ما عضّته كلاب الشوارع. وفي أوقات فراغه أحب أن يسلّي نفسه بالكتابة، وأحب ما يكتبه، فقرر أن ينشره ليدخل به عالم الأدباء، ولم يحزن حين لم يجد سبيلًا إلى النشر، بل صبر تمامًا واستقبل حقيقة إهمال الناشرين له بأعصاب هادئة دونما أي تذمّر، مع أنه كان يكتب منذ الثامنة من عمره.

ومعاناة دوريل ليست جديدة في دنيا الأدباء والعباقرة، فقد عانى الكثير منهم، ولا شك أن المعاناة ضريبة يدفعونها في مقابل إذكاء شعلة الكتابة عندهم، وشحذ همتهم للإبداع، والتعرّف على آفاق مختلفة تنبثق من التجارب الصعبة التي تصقل الكاتب. فالكتابة الجيدة كثيرًا ما تخرج من رحم المعاناة، وفي كل محنة منحة؛ لذلك لا نستغرب حين نقرأ للكاتب الروائي العظيم هنري ميلر هذه المقولة: "لقد اكتشفت أن المعاناة كانت شيئًا جيدًا لي؛ حيث فتحت الباب لحياة مبهجة عرفتها بعد تقبّلي للعذاب وتذوّقي للتعب، فبسبب هذا التعب تفتح القلب مثل زهرة، ووصل إلى حالة من الشفافية تكشّفت له فيها رؤى جديدة، وأصبح على وعي مختلف لم يكن معهودًا من قبل".

*صفات لورانس دوريل:

في حوار صحفي نشرته مجلة "باريس ريفيو" الثقافية، التي تأسست في الولايات المتحدة الأميركية عام 1953، يصف محرر المجلة دوريل بأنه قصير القامة مائل إلى الامتلاء، موفور الحيوية والنشاط، طليق اللسان، متقلب المزاج، يمتاز بموهبته في الحديث، ويستطيع أن يحيل الأسئلة السخيفة إلى أخرى جيدة بافتراضه أن السائل كان يقصد شيئًا آخر. ومن عجائبه أنه كان يكتب في غرفة بلا نوافذ!

ورغم روحه المرحة، إلا أنه عاش من عمره ثلاثة أعوام مضطربة (1953–1956) عانى فيها من العزلة بجزيرة قبرص، ولم يكن معه إلا ابنتاه. وكان قد تزوج أكثر من مرة، إلا أن كل زيجة كانت تنتهي بالطلاق؛ لأنه - للأسف - هوائي وسريع الشعور بالملل، وهي صفات عُرفت عنه وعن بعض الأدباء والفنانين، إلا أن هذا لا يمنع وجود أدباء ملتزمين أسريًا.

وفي عام 1957 أصدر كتابه "الليمون المر"، وفيه يتحدث عن انطباعاته الشخصية وشعوره الخاص ورؤيته لأعوام العزلة الثلاثة في جزيرة قبرص. وعن بعض مشاعره وانطباعاته كتب أيضًا رواية "جوستين". وكان من عادته في قبرص أن يكتب في ساعات الليل المتأخرة، وحين يحتاج إلى المال يعمل مدرسًا للغة الإنكليزية في المدرسة المحلية لتعليم اللغات الأوروبية القديمة مثل اليونانية واللاتينية، ولحسن الحظ كانت المدرسة تهتم بدراسة الإنكليزية معهما.

*احتقاره للوظيفة الحكومية:

لقد أمضى دوريل سنتين من عمره موظفًا حكوميًا في منصب محترم، لكنه لم يحب جو الوظيفة، وكان يسخر منه، مع أنه عمل في السلك الدبلوماسي، وعُيّن ملحقًا صحفيًا في أثينا والإسكندرية والقاهرة ورودس وبلغراد، كما كان أستاذًا محاضرًا في اليونان والأرجنتين. ورغم ذلك لم تعجبه المناصب الحكومية والسفريات الرسمية، بل سخر منها في كتابين هما "روح التضامن" الصادر عام 1957 و"الشفة العليا المتخشبة" عام 1959.

*أعماله الروائية الهامة:

ليست "رباعية الإسكندرية" وحدها هي العمل الرائع بالنسبة إلى دوريل، فقد نشر قبلها أعمالًا أشاد بها النقاد، منها - على سبيل المثال - رواية "سيفالو" الصادرة عام 1947، ثم صدرت مرة أخرى عام 1958 بعنوان "التين الأسود"، وأيضًا "الكتاب الأسود". وفي عام 1960 نشر دوريل قصائد شعرية مجمّعة، وله أيضًا مساهمة نقدية نشرها في كتاب اشترك فيه مع ألفريد برليس، كما كتب مسرحية شعرية سماها "سافو" ونشرها عام 1950.

*صداقته للكاتب هنري ميلر:

نذكر أخيرًا أن دوريل عُرف بصداقته للكاتب الإنكليزي الكبير هنري ميلر، وهي صداقة ودودة ومثمرة بُنيت على إعجاب دوريل بميلر، واحترام ميلر لثقافة دوريل وإشادته بذكائه وقدرته على النقد الأدبي البنّاء؛ حيث بدأت علاقة الصديقين عندما نشر دوريل نقدًا أدبيًا لرواية "مدار السرطان" التي كتبها ميلر، وهي الرواية التي عمّ صيتها في المشهد الأدبي العالمي، وثارت حولها الكثير من النقاشات. ولما قرأ ميلر ذلك النقد اعتبره أذكى نقد قرأه عن روايته، وقرر أن يصبح صديقًا لدوريل، مع أنه أكبر منه سنًا بكثير.

ولا يصح أن ننسى قبل الختام ثناء الناقد الكبير ت. س. إليوت على رواية "الكتاب الأسود" لدوريل، إذ يقول: "إن رواية الكتاب الأسود هي أول عمل لكاتب إنكليزي جديد يبث في نفسي الأمل في مستقبل الفن القصصي ذي اللغة البسيطة".

وفي السابع من نوفمبر/كانون الثاني عام 1990 أُصيب دوريل بسكتة دماغية، وتوفي عن عمر يناهز ثمانية وسبعين عامًا، بعد مشروع إبداعي ممتد حفل بالروايات والمسرحيات والنقد الأدبي، وأيضًا بالسيرة الذاتية.