واشنطن تشدد الخناق المالي على الفصائل الموالية لإيران في العراق

سافايا يعلن عن إطلاق تحركات مكثفة بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، تهدف إلى مراجعة شاملة للمدفوعات والتحويلات المالية التي يُشتبه بارتباطها بغسل الأموال والتهريب وتمويل الإرهاب داخل العراق.
سافايا يتحدث عن حزمة عقوبات جديدة قيد الدراسة ضد اشخاص وشبكات مشبوهة

بغداد - فيما تتصاعد حدة المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وطهران، تتجه الولايات المتحدة إلى تشديد الخناق المالي على القوى والميليشيات الموالية لإيران في العراق، عبر مسار جديد يركز على تفكيك شبكات التمويل، وضبط النظام المصرفي، وملاحقة المعاملات المشبوهة التي تُستخدم لتمويل أنشطة مسلحة خارج إطار الدولة.
وفي هذا السياق، أعلن مارك سافايا، مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق، عن إطلاق تحركات مكثفة بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، تهدف إلى مراجعة شاملة للمدفوعات والتحويلات المالية التي يُشتبه بارتباطها بغسل الأموال والتهريب وتمويل الإرهاب داخل العراق. وأوضح أن هذه الخطوات تأتي ضمن مقاربة أوسع لتعزيز النزاهة المالية وتقوية مؤسسات الدولة العراقية في مواجهة النفوذ غير الرسمي للفصائل المسلحة.
وبحسب سافايا، فإن الاجتماعات التي عقدها في واشنطن ركزت على دراسة التحديات البنيوية التي تعاني منها المصارف الحكومية والخاصة في العراق، ولا سيما في ما يتعلق بالحوكمة والامتثال للمعايير الدولية. وأشار إلى أن المباحثات لم تقتصر على تشخيص الخلل، بل تناولت فرص الإصلاح الممكنة، وآليات تعزيز الشفافية والمساءلة المؤسسية، بما يقلص قدرة الجهات غير الشرعية على استغلال النظام المالي.
وأكد المبعوث الأميركي أن الجانبين توصلا إلى اتفاق حول تدقيق موسع لسجلات الدفع والمعاملات المالية التي تشمل شركات وأفراداً ومؤسسات يُشتبه بتورطهم في أنشطة غير قانونية، من بينها عقود وهمية ومشاريع احتيالية تُستخدم كواجهات لتحويل الأموال إلى جماعات مسلحة. كما تم التطرق إلى حزمة عقوبات جديدة قيد الدراسة، يُتوقع أن تستهدف شبكات توصف بأنها "خبيثة" تعمل على تقويض سلطة الدولة وإدامة اقتصاد موازٍ خارج السيطرة الرسمية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تؤكد فيه الإدارة الأميركية أن علاقتها مع بغداد تشهد مستوى غير مسبوق من التنسيق، في ظل ما تصفه بالتزام مشترك بمحاربة الفساد وتجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة. وقد حظي سافايا بإشادة علنية من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أثنى على دوره التفاوضي، معتبراً أن الملف العراقي يتطلب إدارة دقيقة وشخصيات قادرة على التعامل مع تعقيداته السياسية والأمنية.
ومنذ سنوات، تعتمد واشنطن سياسة تصعيدية تجاه الفصائل العراقية المرتبطة بإيران، حيث أدرجت عدداً منها على لوائح الإرهاب والعقوبات، ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى” التي انطلقت عام 2018. وترى الولايات المتحدة أن هذه الجماعات تشكل أذرعاً للحرس الثوري الإيراني، وتتلقى منه التمويل والتسليح والتدريب، وتُستخدم كأدوات لتنفيذ أجندة إقليمية تستهدف المصالح الأميركية وحلفاءها.
في المقابل، تنظر قوى سياسية عراقية إلى هذه الفصائل باعتبارها جزءاً مما تسميه "محور المقاومة"، وترفض تصنيفها كجماعات خارجة عن القانون، ما يعكس انقساماً داخلياً حاداً حول دورها ومشروعيتها. غير أن واشنطن تصر على أن أنشطة هذه الجماعات لا تقتصر على العمل العسكري، بل تمتد إلى السيطرة على موارد اقتصادية، والتغلغل في مؤسسات الدولة، واستنزاف المال العام عبر الفساد والكسب غير المشروع.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت، قبل أشهر، عن فرض عقوبات على شخصيات مصرفية وشركات عراقية قالت إنها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وكتائب حزب الله، من بينها كيانات اقتصادية وُصفت بأنها تشكل العمود الفقري لتمويل الفصائل المسلحة. واعتبرت واشنطن أن تلك الإجراءات تهدف إلى تفكيك شبكات غسل الأموال التي تسمح لهذه الجماعات بمواصلة نشاطها داخل العراق وخارجه.
وبينما تتواصل الضغوط الأميركية، يرى مراقبون أن التركيز على المسار المالي قد يشكل نقطة تحول في مواجهة النفوذ الإيراني، إذ أن تجفيف مصادر التمويل قد يكون أكثر فاعلية من المواجهة العسكرية المباشرة. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى مرهوناً بقدرة الدولة العراقية على تنفيذ إصلاحات حقيقية، ومقاومة الضغوط السياسية، واستعادة السيطرة الكاملة على نظامها المالي، في بلد لا يزال يعاني من هشاشة مؤسساتية وصراعات نفوذ متشابكة.