سينما المكفوفين في بيروت تكسر الحواجز بين فاقدي البصر والفنون البصرية

سينما المكفوفين تعتمد على الوصف السمعي بشرح المشاهد البصرية وحركات الشخصيات وتعابير الوجوه والفضاءات بما يتيح لفاقدي البصر فهم العمل السينمائي كاملًا.

بيروت - أضاءت جمعية "تيرو للفنون" عبر فعالية "أسبوع سينما المكفوفين" في بيروت، ضوءا في عتمة المكفوفين وضعاف البصر وفتحت لهم آفاقا جديدة بتوفير عروض مجانية لأفلام قصيرة تعتمد الوصف الصوتي تحت شعار "السينما للجميع"، بما يتيح لهم متابعة الأفلام السينمائية بشكل كامل.

وتُعدّ سينما المكفوفين من المبادرات الثقافية والإنسانية الرائدة التي تسهم في كسر الحواجز بين فاقدي البصر والفنون البصرية، وتفتح أمامهم نافذة حقيقية للتفاعل مع عالم السينما.

وتتضمّن الفعالية التي تقام في سينما الكوليزيه - الحمرا يومي 18و19 يناير/كانون الثاني، مجموعة مختارة من الأعمال السينمائية المصمّمة خصيصًا لتكون متاحة لذوي الإعاقة البصرية، في خطوة تهدف إلى تعزيز حق الوصول إلى الثقافة والفنون، وتكريس مبدأ الشمولية الثقافية في الفضاءات العامة، مع فتح أبواب المسرح مجانًا أمام الجمهور.

وتعتمد سينما المكفوفين على الوصف السمعي للراوي الذي يشرح المشاهد البصرية، وحركات الشخصيات، وتعابير الوجوه، والفضاءات، بما يتيح لفاقدي البصر فهم العمل السينمائي كاملًا. ويشرح بالتفصيل العناصر المرئية اللازمة، كالانتقال من مشهد تساقط الأوراق إلى مشهد انهمار الثلوج تعبيراً عن تغيير الفصول.
وهذا النوع من السينما يكرّس مبدأ الحق في الثقافة ويعزز الإدماج الثقافي، باعتبار الفن حقًا إنسانيًا لا يقتصر على فئة دون أخرى.

الفن حق إنساني
الفن حق إنساني

وأكّد الممثّل والمخرج، مؤسّس المسرح الوطني اللبناني، قاسم اسطنبولي أنّ "استمرار العروض السينمائية والمهرجانات والورش التدريبية المجانية، رغم كل الأزمات، يشكّل فرصة حقيقية للتلاقي والتعرّف إلى ثقافات مختلفة من العالم، كي يبقى الفن حقًا للجميع، بفضل جهود الشباب المتطوّعين المؤمنين بدور الثقافة".

وتهدف جمعية تيرو للفنون، التي يقودها شبّان متطوّعون، إلى إنشاء مساحات ثقافية حرّة ومستقلّة، عبر إعادة تأهيل دور سينما تاريخية وتحويلها إلى فضاءات ثقافية مجانية، إضافة إلى تنظيم الورش والتدريب الفني للأطفال والشباب، وإقامة المهرجانات والمعارض والأنشطة الفنية، وبرمجة عروض سينمائية تعليمية وثقافية، وبناء شبكات تعاون مع مهرجانات دولية، وفتح المجال أمام المخرجين الشباب لعرض أعمالهم وتعريف الجمهور بتاريخ السينما والعروض المحلية والعالمية.

وتنشط الجمعية تيرو للفنون على امتداد لبنان، وأعادت قبل سنوات تأهيل سينما "ريفولي" في مدينة صور جنوب لبنان، التي تحولت إلى المسرح الوطني اللبناني، ليكون أول مسرح وسينما يقدم الفعاليات الفنية بشكل مجاني في لبنان.

وسبق أن أقامت فعالية "السينما للجميع" بمدينة طرابلس إذ لاقت صدى إيجابيًا لدى الشابات والشبان المكفوفين والصغار وكذلك بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة ممن حضروا إلى المسرح الوطني اللبناني في طرابلس.

ويساهم حضور العروض السينمائية المخصصة، والمشاركة في الفعاليات المرافقة لها، في منح فاقدي البصر شعورًا بالاستقلالية والمساواة، ويكسر الصورة النمطية التي تحصرهم في أدوار المتلقّي السلبي. فالذهاب إلى السينما، ومناقشة الأفلام، والتفاعل مع صنّاعها، كلها تجارب تعزز الثقة بالنفس والانتماء إلى الفضاء العام.

ولا تقتصر أهمية سينما المكفوفين على العرض السينمائي نفسه، بل تمتد إلى الفعاليات المصاحبة مثل الندوات الحوارية مع المخرجين والممثلين، التي تتيح تبادل الآراء وطرح الأسئلة. وورش العمل في السرد الصوتي، والتمثيل، وصناعة المحتوى السمعي، ما يفتح آفاقًا إبداعية جديدة لفاقدي البصر. واللقاءات الثقافية التي تعزز التواصل الاجتماعي وتكسر العزلة، خاصة لمن يعانون من التهميش.

وتؤدي هذه السينما دورًا توعويًا مهمًا تجاه المجتمع ككل، إذ تُلفت الانتباه إلى قضايا الإعاقة البصرية، وتشجع المؤسسات الثقافية وصنّاع السينما على اعتماد معايير النفاذ الشامل. كما تساهم في تغيير النظرة المجتمعية من الشفقة إلى الشراكة والاحترام.

ويمكن أن تكون سينما المكفوفين منصة لإبراز مواهب فاقدي البصر في مجالات التمثيل الصوتي، وكتابة السيناريو، والنقد السينمائي. وهو ما يعزز تمثيلهم داخل الصناعة الثقافية نفسها، لا على هامشها.