الخرطوم تفقد رئتها باختفاء غابات السنط
الخرطوم – صدم السودانيون بمقاطع فيديو انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت اختفاء غابة السنط، رئة الخرطوم ومتنفسها الطبيعي، فأصبحت ضحية أخرى للحروب والصراع.
وتُعد غابة السنط من أبرز المعالم البيئية والسياحية في العاصمة السودانية، كما أنها تشكل محمية طبيعية ذات أهمية خاصة للطيور المهاجرة، فضلاً عن دورها الحيوي في الحفاظ على التوازن البيئي داخل المدينة. وقد شهدت الغابة خلال الفترة الماضية سلسلة من الانتهاكات البيئية، تمثلت في عمليات قطع ممنهج للأشجار، والاحتطاب الجائر التي تُنفذ غالباً في ساعات الليل، بهدف بيع الحطب للمخابز البلدية وأصحاب الزرائب وورش الأخشاب.
وأعرب ناشطون على مواقع التواصل أن أشجار غابة السنط كانت موجودة قبل ستة أشهر، وفي يوليو/تموز الماضي غمرت مياه النيل الأبيض الأشجار وعند انحسار المياه لاحقًا اختفى جزء من الغابة معها بحلول ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وأكد شهود عيان أن عددا من سكان ولاية الخرطوم وبعض المجموعات المسلحة استغلوا الحرب وشرعوا في القطع العشوائي لأشجار غابة السنط من دون تفرقة بين الأخضر واليابس لاستخدامها كوقود للطهي وإعداد الوجبات، بخاصة في ظل أزمة غاز الطهي، علاوة على جمع الأخشاب وبيعها في الأسواق، وكذلك رواج تجارة الفحم النباتي المربحة.
وأعرب الكثيرون عن الأسى لفقدان أبرز المعالم الطبيعية في الخرطوم.
وأكدت شرطة ولاية الخرطوم في بيانها استمرار تنفيذ حملات ميدانية منتظمة تهدف إلى حماية الغابة من أي تعديات مستقبلية، مشددة على ضرورة الحفاظ على هذا المورد الطبيعي الذي يمثل رئة بيئية للعاصمة، وموطناً رئيسياً للتنوع البيولوجي. وأوضحت أن هذه الإجراءات تأتي في سياق تعزيز الالتزام بالقوانين البيئية، وضمان استدامة الغابات الحضرية في مواجهة الضغوط المتزايدة.
ومع احتدام الصراع، انحسر الاهتمام بغابة السُّنط، التي كانت تمثل سابقاً إحدى أهم المحميات البيئية في السودان. واستدامة هذا النظام البيئي أصبحت مهددة أكثر من أي وقت مضى، إذ انزاحت الأولوية من حماية الغابة إلى تأمين ضروريات الحياة الأساسية، كالغذاء والدواء، لمواجهة تبعات النزاع المتفاقم.
وفي هذا السياق، يعاني موظفو الغابات في السودان من أوضاع قاسية، حيث أوقفتهم الحرب عن العمل ودفعتهم إلى "إجازة مفتوحة" بلا أمل قريب للعودة. وتضاف إلى معاناتهم صعوبات في تلقي الرواتب نتيجة انقطاع الاتصالات وتوقف الإنترنت في أجزاء واسعة من البلاد، ما يزيد حياتهم اليومية تعقيداً.
وتعد غابة السنط بالمقرن من أعرق المساحات الخضراء الطبيعية في الخرطوم، تقع على الضفة الشرقية للنيل الأبيض قرب ملتقى النيلين، وهي غابة مركزية محجوزة تبلغ مساحتها أكثر من 482 فدانا، وتم اعلانها كمحمية طبيعية للحياة البرية عام 1939، وهي جزء من المنظومة النيلية وتحوى سلالات نادرة من أشجار السنط، وحديقة نباتية مرجعية وعلى تنوع إحيائي من نباتات وحشرات وحياة برية، وتحكم الغابة اتفاقية الأراضي ذات الأهمية الدولية بوصفها مآلف للطيور المائية، وتم رصد 87 نوعا من الطيور في الغابة، من بينها 50 نوعا مهاجرا من المنطقة القطبية القديمة 8 أنواع مهاجرة محليا 29 نوعا مستقرا، وبذلك تعتبر الغابة واحدة من أهم مواطن الطيور في السودان.
وساهمت الغابة في امتصاص الغازات التي تنبعث من المصانع، وعوادم السيارات، في ولاية الخرطوم، وتذخر الغابة بأشجار السنط التي تنتج الثمار المعروفة القرض، الذي يستخدم في إنتاج بُدرة القرض لدباغة الجلود، وتسمى (الدكتور) في الأوساط الشعبية، لفوائدها في الطب الشعبي، كما تنتج أجود أنواع العسل، وتشكل رئة طبيعية للخرطوم، لاستنشاق الهواء النقي، بعد زوال حزام الخرطوم الأخضر، الذي تم تحويله إلى أراض سكنية، وبزواله، أصبحت مياه الصرف الصحي، تشكل مخاطر بيئية لسكان العاصمة، حيث كان هذا الحزام، يستوعب أكثر من 8 ملايين جالون من مياه الصرف الصحي في اليوم، وساعدت الغابة على إضفاء الخضرة، والنواحي الجمالية للخرطوم، خاصة، وأن نصيب الفرد بالولاية في الخضرة، يعتبر أقلّ نسبة، مقارنة بمدن العالم الأخرى 0.1 متراً، مقارنة بـ0.8 متر، نصيب الفرد في العالم، كما توفر بيئة علمية لطلاب الجامعات، والمراكز البحثية، في مجال الغابات النيلية.