الشرع يستميل الأكراد بمرسوم يضمن حقوقهم
دمشق - في خطوة تاريخية تهدف إلى ردم فجوة الثقة واحتواء التوتر المتصاعد في الشمال السوري، أصدر الرئيس أحمد الشرع، مساء الجمعة، مرسوماً رئاسياً شاملاً يعترف رسمياً بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، ويمنح الجنسية السورية لجميع المحرومين منها. ويأتي هذا التحرك السياسي في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع تصاعد المخاوف من مواجهة شاملة مع "قوات سوريا الديمقراطية" عقب اشتباكات حلب الدامية، ليسعى الشرع من خلاله إلى تقديم 'عقد اجتماعي' جديد يوازن بين الخصوصيات القومية ووحدة الدولة.
وأدى العنف في حلب إلى تفاقم أحد أبرز الانقسامات في سوريا، حيث يواجه وعد الشرع بتوحيد البلاد تحت قيادة واحدة بعد حرب استمرت نحو 14 عاما مقاومة من القوات الكردية المتخوفة من حكومته التي يقودها الإسلاميون.
ويدرك الشرع الذي يسعى إلى تثبيت أركان حكمه من خلال بناء "عقد اجتماعي جديد"، أن استقرار الشمال والشمال الشرقي هو مفتاح استقرار الدولة السورية، ومن هنا جاء القرار ليعالج فجوة الثقة العميقة التي تراكمت لعقود.
وقال الرئيس السوري في كلمة مصورة نشرها الشرع على حسابه بمنصة شركة "إكس" إنه "لا فضل لعربي ولا كردي ولا تركي ولا غيره إلا بتقوى الله وصلاح المرء، أيا كان قومه".
وأضاف "يا أهلنا الكرد، يا أحفاد صلاح الدين، حذارِ أن تصدقوا رواية أننا نريد شرا بأهلنا الكرد، فوالله من يمسكم بشرّ فهو خصيمنا إلى يوم الدين، المحيا محياكم، وإنّا لا نريد إلا صلاح البلاد والعباد والتنمية والإعمار ووحدة البلاد".
وتابع "أتشرف اليوم أن أصدر مرسوما خاصا لأهلنا الكُرد يضمن حقوقهم وبعض خصوصياتهم بنص القانون، وأحث كل من هجّر من أرضه قسرا أن يعود آمنا سالما دون شرط أو قيد سوى رمي السلاح".
ودعا الشرع الأكراد إلى "المشاركة الفعالة في بناء هذا الوطن والحفاظ على سلامته ووحدته، وأن ننبذ ما سوى ذلك". وختم كلمته المصورة بإظهار توقيعه على نص المرسوم، الذي احتوى 8 مواد.
ونصت المادة الأولى من المرسوم على أنه "يُعد المواطنون السوريون الكرد جزءا أساسيا وأصيلا من الشعب السوري، وتعد هويتهم الثقافية واللغوية جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة"، وفق وكالة الأنباء السورية "سانا".
وتنص المادة الثانية على أن "تلتزم الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وتضمن حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية".
وجاء في المادة الثالثة أن "اللغة الكردية لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يُشكّل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان، كجزء من المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي".
والمادة الرابعة ذكرت أنه "يُلغى العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافّة التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة".
وأضافت المادة ذاتها أنه "تُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتوم القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات".
وبينت المادة الخامسة أنه "يُعد عيد النوروز (21 مارس/آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في أنحاء الجمهورية العربية السورية كافة، بصفته عيدا وطنيا يعبر عن الربيع والتآخي".
وذكرت المادة السادسة "تلتزم مؤسسات الدولة الإعلامية والتربوية بتبنّي خطاب وطني جامع، ويُحظر قانونا أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي، ويُعاقب كل من يُحرّض على الفتنة القومية وفق القوانين النافذة".
أما المادتان السابعة والثامنة، فنصتا على أن "تتولى الوزارات والجهات المعنية إصدار التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيق أحكام هذا المرسوم، كلٌ فيما يخصه"، ونشر المرسوم في الجريدة الرسمية، واعتبر نافذا من تاريخ صدوره.
وفي تطور ميداني دخلت القوات السورية اليوم السبت إلى عشرات البلدات والقرى في شمال البلاد بعد انسحاب المقاتلين الأكراد بموجب اتفاق يهدف إلى تجنب مواجهة دامية بين القوات المتناحرة.
واحتشدت فرق من الجيش لأيام حول مجموعة من القرى التي تقع إلى الغرب مباشرة من نهر الفرات، ودعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمتمركزة هناك إلى إعادة نشر قواتها على الضفة المقابلة للنهر.
وخلال الليل، قال مظلوم عبدي قائد "قسد" إن قواته ستنسحب في وقت مبكر من اليوم السبت إلى مناطق شرقي نهر الفرات كبادرة حسن نية، تاركة النهر يصبح خط مواجهة يفصل بين القوات الحكومية السورية المتمركزة إلى الغرب منه والقوات الكردية إلى الشرق.
وأفادت بيانات للجيش السوري بأن القوات الحكومية سيطرت بحلول ظهر اليوم السبت على بلدة دير حافر الرئيسية والقرى المحيطة بها ذات الغالبية العربية. وغادر بعض السكان خلال الأيام القليلة الماضية عبر ممر إنساني فتحه الجيش السوري لكن من بقوا احتفلوا بوصول القوات الحكومية.
وقال حسين الخلف وهو أحد السكان "يعني هي الحمد لله بأقل الخسائر لأنه احنا يكفينا دم بها البلد سوريا يعني. يكفي اللي ضحيناه وراح منا والناس ملت. إحنا نريد سوريا واحدة موحدة لجميع السوريين، وكنا مرتاحين ومبسوطين وكنا إخوة، وهذا اللي نتمناه نحنا".
وأعلن الجيش السوري أنه يهدف إلى السيطرة على الطبقة بعد ذلك، بينما أعادت بعض قوات سوريا الديمقراطية تجميع صفوفها في الطبقة واتجهت مجددا إلى الغرب للدفاع عن بعض مواقعها.
واندلعت اشتباكات في بعض البلدات مع تبادل قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري الاتهامات بانتهاك اتفاق الانسحاب.
وقال مصدران كرديان إن المبعوث الأميركي توم برّاك سافر إلى أربيل في شمال العراق اليوم السبت للقاء كل من عبدي والزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني في محاولة لتهدئة التوتر.