بغداد قرأت ولکن!

خلال العقود الخمسة الأخيرة من الألفية الماضية، كان هناك قول شائع هو: القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ.

التقدم العلمي الذي يسير بخطى متسارعة حتى يكاد أن ينافس الزمن ذاته، صار أمرًا واقعًا يفرض نفسه على الإنسان ويشق طريقه إليه بمختلف الطرق والأساليب شاء أم أبى، حيث لم يعد هناك على وجه البسيطة من يمكنه أن يعيش بعيدًا عنه وعن آثاره وتداعياته.

ما حققه العلم في مجال هندسة الجينات والاستنساخ البيولوجي والذي أصبح يثير المخاوف والتحديات الأخلاقية والدينية على حد سواء، ولا سيما وإن موضوع استنساخ إنسان مجرد من المشاعر والعواطف والذي هو أمر وارد وغير بعيد إطلاقًا في عالم صار الصراع والتكالب فيه على الكسب المشروع وغير المشروع هو السائد، مما يضع ماضي وحاضر ومستقبل الإنسان على الكوكب الأرضي في خطر داهم.

ولا أريد الخوض أكثر في هذا الموضوع الذي لا يبعث على الأمل في ضوء تضاءل بل وحتى انعدام تحكم العامل الأخلاقي به، لكنني أريد أن ألفت النظر إلى خطر وتحدٍّ غير عادي آخر أنجبه التقدم العلمي للإنسان، وأعني به "الشاشة"، التي كنا نراها قديمًا في شاشتي التلفزيون والسينما، أما اليوم فإنها تطاردنا في كل مكان، وحتى إن الإنسان في الوقت الحالي وبمختلف المراحل العمرية، يقضي معظم وقته معها.

الشاشة هذه وإن كان تأثيرها السلبي طاغيًا على العالم كله، لكنه وفي العراق تحديدًا، يبدو أكثر سلبية، أما لماذا، وحتى يمكن أن يكون هناك الكثير ممن لا يتفق معي في رأيي هذا الذي أطرحه؛ فإنه لكون العراق يمر بواحدة من أسوأ فتراته التاريخية من حيث تراجع مستواه الثقافي والعلمي على حد سواء وأصبح شعبه يعيش في ماضٍ مشحون بالخلاف والصراعات العبثية التي لا نهاية لها!

خلال العقود الخمسة الأخيرة من الألفية الماضية، كان هناك قول شائع هو: القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ، ولئن كان هناك في العراق شعراء وروائيون وكتاب ونقاد عمالقة نظير بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي وغائب طعمة فرمان ويوسف عبد المسيح ثروت وموسى النصير وغيرهم ممن لا يمكن حصرهم في هذا المجال الضيق، لكن والحق يقال إن الأجيال الشابة بصورة خاصة من الشعب العراقي خلال تلك العقود ذاتها، كانت تتميز بارتفاع واضح في مستواها الثقافي، والسبب الأساسي في ذلك هو إن هذه الأجيال مُنحت وقتًا كافيًا للمطالعة وإثراء سقف ثقافتها في مختلف المجالات.

في أيام نظام البعث في العراق، كان المثقفون في ذلك الوقت وعلى الرغم من القيود الصارمة التي وُضعت بوجه من يسبح خارج تيار الحكم وقتئذ، فقد كانت هناك على الأغلب سياقات فكرية تفرض نفسها ويتم لمسها في وسائل الإعلام العراقية وقتئذ، لكن في الوقت نفسه لا مناص من الاعتراف بأن أجود وأرقى المطبوعات من مختلف الاتجاهات الفكرية كانت تجد طريقها إلى المكتبات العراقية، وهذه مزية لا يمكن تجاهلها لنظام البعث، وكان أهم ما في الأمر هو ألا يتم تجاوز الخطوط الحمر لأن ثمنه الموت.

عند الاحتلال الأميركي للعراق واسقاط نظام البعث، استبشر الشارع الثقافي العراقي خيرًا بنهاية تلك الحقبة الاستبدادية، وكان هناك تصور مفعم بالتفاؤل أعتقد أنه كان أشبه ما يكون برومانسية حالمة لم تكن لها جذور ومرتكزات على أرض الواقع، حيث إن الذي جرى ولا نزال نلمسه بوضوح هو أن أكثر شريحة لم يكن لها أي دور فيما سُمّي بالعراق الجديد بل وحتى إنها كانت خارج نطاقه، هي شريحة المثقفين!

في معظم البلدان الأوروبية، وعندما تركب قطارًا أو حافلة أو حتى طائرة، فإنك تشاهد المسافر الأوروبي على الأغلب يطالع صحيفة أو مجلة أو يقرأ كتابًا، أما في العراق، فإن مثل هذا المشهد كان سائدًا في العقود الخمسة الأخيرة من القرن الماضي، أما حاليًا، فليس هناك شيء من هذا القبيل بل إما أن يكون هناك صمت مطبق أو جدال وحديث يغلب عليه السقم والملل.