المسلسلات السورية بعد الخوف تكتب الثورة بلا رقابة

سقوط الرقابة الأمنية يضع صناع الدراما أمام سؤال واحد بسيط: هل يختارون الصدق الآن أم يعيدون إنتاج الخوف بأقنعة فنية قديمة مستهلكة؟

دمشق - يشهد الموسم الدرامي الحالي تحوّلًا لافتًا في المزاج العام للأعمال السورية، مع ازدياد حضور الثورة السورية وأحداثها بوصفها مادة درامية مركزية، بعد سنوات طويلة من التهميش أو المعالجة الملتبسة. هذا التحوّل لا يأتي من فراغ، بل يعكس تغيّرًا عميقًا في الواقع السياسي والاجتماعي، وفي وعي صناع الدراما والجمهور على حد سواء، وهو ما أشار إليه الناقد والكاتب محمد منصور في تصريح خاص لوكالة سانا، معتبرًا أن تركيز الدراما هذا العام على الثورة هو نتيجة طبيعية لانتصارها، وانكشاف زيف الروايات التي حاولت تشويهها سابقًا.

يقول منصور "إن سبب تركيز الدراما هذا العام على الثورة وأحداثها هو أن الثورة انتصرت، وروايات الافتراء عليها وتصويرها كأعمال إرهابية وتخريبية، التي روجتها بعض المسلسلات سابقًا، هُزمت وانكشف زورها وبهتانها في الافتراء على ثورة شعب خرج يطالب بحريته وكرامته من نظام استبدادي قمعي مجرم".

ويضيف أن "المزاج الشعبي الحر ينتظر، بشكل أو بآخر، أعمالًا تعبّر عن الوقائع التي عاشها الناس، وعن العذابات التي تعرّضوا لها، بعيدًا عن التزييف أو الإنكار".

مصداقية النص… الشرط الأول

يشدّد محمد منصور على أن مصداقية أي نص درامي يتناول الثورة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا استند إلى وقائع موثقة، مبنية على ما جرى توثيقه خلال أربعة عشر عامًا من قبل إعلام الثورة وناشطيها. ويرى أن هذه المهمة لا تتعلق فقط بالبحث والتقصّي، بل تتطلب إيمانًا حقيقيًا من الكاتب وصناع العمل بأن ما جرى في سوريا هو ثورة شعبية، لا مجرد حدث عابر أو أزمة سياسية.

وفي هذا السياق، يقول "لا يمكن للدراما أن تكون حيادية أخلاقيًا عندما يتعلق الأمر بالثورة. الحياد هنا يتحوّل إلى تواطؤ. المطلوب هو الدقة، والحرص، والمسؤولية في نقل الوقائع، لا إعادة إنتاج سرديات سقطت أخلاقيًا وتاريخيًا".

يرى منصور أن الدراما السورية تعيش اليوم حالة صراع حقيقي بين ماضٍ مثقل بخطاب التشبيح للنظام البائد، وبين تطلّع واضح للانخراط في سوريا الجديدة. هذا الصراع لا يقتصر على النصوص، بل يطال الأسماء، والخيارات الإنتاجية، وحتى الجرأة في الطرح. فالثورة، بحسب تعبيره، وشهداؤها، باتوا معيارًا أساسيًا في تقييم أي عمل فني أو ثقافي، سواء من حيث الموقف أو من حيث الصدق الفني.

ويتقاطع هذا الرأي مع ما يذهب إليه الناقد الفني سالم عبدالله، الذي يرى أن "الدراما السورية تقف اليوم أمام اختبار أخلاقي قبل أن يكون فنيًا، فالجمهور لم يعد ساذجًا، ولم يعد يقبل أعمالًا تساوي بين الضحية والجلاد تحت شعار الرمزية أو العمومية".

على مدى سنوات طويلة، كانت الأعمال التي اقتربت من أحداث الثورة قليلة جدًا، وغالبًا ما عالجت القضايا المرتبطة بها بأسلوب ملتف أو رمزي، تحاشيًا للرقابة، وخوفًا من بطش أجهزة مخابرات النظام البائد. كثير من الكتّاب والمخرجين اعترفوا، في جلسات خاصة، بأنهم اضطروا إلى حذف مشاهد، أو تغيير نهايات، أو تفريغ النصوص من مضمونها الحقيقي، حفاظًا على سلامتهم أو استمرارهم في العمل.

الكاتبة والناقدة ريم خليل تؤكد في هذا السياق أن "الدراما خلال تلك المرحلة لم تكن تعبّر عن عجز فني بقدر ما كانت تعكس حالة خوف عامة. الرقابة لم تكن على النص فقط، بل على النوايا"، مضيقة "اليوم، ومع زوال الرقابة الأمنية، باتت الفرصة متاحة لتفكيك هذا الخوف، لكن الأمر يحتاج إلى شجاعة، لأن الحرية مسؤولية أيضًا".

فرصة تاريخية… ومسؤولية مضاعفة

مع غياب القبضة الأمنية التي كبّلت الدراما لعقود، يجد الكتّاب والفنانون أنفسهم أمام فرصة تاريخية لتناول قضايا الثورة بواقعية أكبر وحرية أوسع. غير أن هذه الفرصة، كما يرى النقاد، تحمل في طياتها مسؤولية مضاعفة، لأن أي خطأ أو تلاعب قد يُقرأ اليوم بوصفه اختيارًا، لا إكراهًا.

وقال المخرج رامي حنا، في تصريح له خلال أحد اللقاءات، "لسنوات كنا نقول: لا نستطيع. اليوم لم يعد هذا العذر مقبولًا. السؤال الحقيقي هو: هل نريد؟ وهل نحن مستعدون لدفع ثمن الصدق الفني؟".

لا يمكن فصل هذا التحوّل عن دور الجمهور، الذي بات أكثر وعيًا وحساسية تجاه ما يُقدَّم له. فوسائل التواصل الاجتماعي، وتراكم الذاكرة الجمعية، جعلا المتلقي شريكًا فعليًا في تقييم الأعمال، لا مجرد مستهلك لها. وأي محاولة للالتفاف أو التجميل تُواجَه سريعًا بالنقد والمساءلة.

الناقد نضال قاسم يرى أن "الجمهور اليوم لا يبحث عن مشاهد صادمة بقدر ما يبحث عن اعتراف. اعتراف بما جرى، وبمن دفع الثمن، وبمن كان في الصف الخطأ من التاريخ".

الدراما كذاكرة جمعية

في المحصلة، يبدو أن عودة الثورة إلى واجهة الدراما السورية ليست موضة عابرة، بل تعبيرًا عن حاجة عميقة لإعادة بناء الذاكرة الجمعية، بعد سنوات من التشويه والإنكار. الدراما، بما تملكه من قدرة على التأثير، مطالبة اليوم بأن تكون مساحة للصدق، لا للمساومة، وللتوثيق الإنساني، لا للتبرير.

وكما يقول محمد منصور في ختام تصريحه "الدراما ليست محكمة تاريخية، لكنها شاهد. وإذا كذب الشاهد، ضاعت الحقيقة مرة أخرى".