مصر لا تنقصها أحزاب سياسية جديدة
القاهرة- يشير حديث نقيب المهندسين في مصر طارق النبرواي أخيرا بشأن عزمه تشكيل حزب سياسي، إلى أزمة هيكلية لدى النخبة، التي تحصر التطوير والتغيير في تشكيل كيانات جديدة، وتتجاهل أن هناك عشرات الأحزاب التي تمارس عملها بشكل محدود، ولم تستطع إحداث تعديل ملموس في الواقع طوال السنوات الماضية.
أخفقت الأحزاب المؤيدة أو المعارضة للسلطة في أن تشعر شريحة كبيرة من المواطنين بجدواها السياسية، ولجأت إلى توجيه جزء كبير من جهدها لأعمال اجتماعية وخيرية.
وظهور حزب في هذه الأجواء لن يضيف شيئا للمجال العام، الذي بحاجة إلى مزيد من الانفتاح وتوسيع هامش الحركة أمام القوى السياسية، ومنح الحرية للقيام بأنشطة في الشارع، بعد الحصول على التصريحات الرسمية اللازمة.
لن يمثل حزب النبراوي الذي تحدث عنه قبل أيام في أحد البرامج التلفزيونية إضافة نوعية لما هو موجود من أحزاب مختلفة. هناك قوى تمثل اليمين واليسار وما بينهما من رؤى سياسية، وحتى التيار السلفي له حزب (النور) يمارس عمله في صمت.
مصر لا تنقصها أحزاب تؤدي إلى زيادة في الكم على حساب الكيف. ما تحتاجه البلاد توفير البيئة المناسبة للعمل السياسي، ووقف الحرب المشتعلة داخل بعض الأحزاب.
رفضت الحكومة رفع القيود الصارمة التي تفرضها على العمل السياسي بحجة خشيتها من توظيف جماعة الإخوان، المصنفة إرهابية، للفضاء العام والتسلل إلى بعض القوى من خلال تفاهمات غير معلنة معها. وبهذه الحجة أغلقت الحكومة الكثير من المنافذ أمام عديد من الأحزاب، وفرضت على كل حزب يرشح عضوا لأحد المناصب الكشف عن هويته بدقة، وبدت غالبية القوى، مؤيدة ومعارضة ومستقلة، على مسافة قريبة من توجهات الحكومة، وتأتي تحفظاتها على بعض تحركاتها على استحياء أحيانا.
مهما كانت دوافع نقيب المهندسين للاقدام على خطوة تشكيل حزب لن يتمكن من المساهمة في تحريك المياه الراكدة. فإذا كان يريد إبراء ذمته السياسية وأنه يسعى نحو إلقاء حجر كبير، فلن يتمكن من القيام بتغيير المشهد العام، لأن الضوابط المفروضة عليه لن تساعده في النفاد من بين كثير من العراقيل المصفوفة.
وإذا كان يعتزم تحدي الحكومة واختيار شخصيات تساعده ليكون حزبا مختلفا عن عشرات الأحزاب، فالسلطة تملك من الأدوات الكفيلة بردعه، بدءا من امتلاكها التصريح القانوني لتشكيل الأحزاب، وفقا لقوانينها، وحتى تحديد من ينضمون إليه، وبينهما سلسلة طويلة من الأطر التي تمكن المؤسسات الرسمية من تعطيل أي نشاط يريد القيام به لا يتواءم مع مزاج الحكومة أو يتسق مع مواءماتها السياسية.
تتجاوز مشكلة مصر مسألة الأحزاب بعد أن تم تفريغ معظمها من المضمون الحاكم لعملها السياسي، وتتسابق نحو التحالف مع الحكومة في المناسبات (الانتخابات)، وتجيد التربيطات معها لتقسيم المناصب، وربما لا توجد حكومة سياسية بالمعني الدقيق للكلمة.
وعدد كبير من قيادات الأحزاب بمصر من التكنوقراط، أو ممن مارسوا عملا وظيفيا في دولاب الدولة واختبر ولاءهم للسطلة في مرات عدة. ومن يتشدقون بحمل شعارات سياسية معارضة تحول عدد كبير منهم إلى أدوات تقوم الحكومة بتوظيفها للإيحاء بأنها تفسح المجال للمنابر التي تتبنى أفكارا على النقيض من توجهاتها.
ما يوصف بالحرب الأهلية داخل بعض الأحزاب، يكفي للتدليل على مدى الترهل الذي وصلت إليه. لم يتبق من العمل الحزبي سوى شكل بلا مضمون سياسي حقيقي، ولا تسعى أي قيادة إلى تطهير هياكلها الداخلية، وتركز القيادات همها على البقاء لأكبر فترة ممكنة في مناصبها. فالمنصب هو المحدد الذي يوفر مكاسب مادية ومعنوية لصاحبه، ويمكنه من المشاركة في مناسبات رسمية، والحصول على جزء من الحلوى عند توزيع الحصص (الكوتة) داخل البرلمان بغرفتيه: مجلسي النواب والشيوخ.
قضت الحرب المستعرة على حزب ليبرالي عريق مثل حزب الوفد، أنشئ قبل مئة عام. وهدمت الخلافات حزب يسمى "التجمع" أنشئ منذ نصف قرن، وارتضت أحزاب حديثة التعايش مع الآلية المحكمة التي يدار بها العمل الحزبي من قبل بعض مؤسسات الدولة.
وخرج كل من يريد مزاحمة هؤلاء وهؤلاء من الحلبة السياسية واقتصر دوره على المناكفة الإعلامية عبر بعض المواقع الإلكترونية والاستفادة من الانتشار الممتد للسوشيال ميديا التي أصبحت حزبا افتراضيا أكثر تأثيرا من الأحزاب الحقيقية. ونجحت في استقطاب شرائح من المصريين. وقادت جاذبيتها إلى وجود مئات الآلاف من المتابعين لأنشطتها، والتي يميل بعضها للمعارضة بلا ضوابط سياسية.
يشير تفكير طارق النبراوي فجأة في تشكيل حزب إلى أنه تلقى ضوءا من الحكومة بعدم الممانعة في منحه هامشا من الحركة في الشارع، بحسبانه شخصية منضبطة ورشيدة، واختبر في الأداء السياسي بعد توليه منصب نقيب المهندسين، وأن الحكومة بحاجة إلى شخصية وازنة تعيد الاعتبار للعمل العام، لها أفكار لا تحبذ الصدام مع السلطة، ويمكن التفاهم معها عند حدوث أزمات.
في هذا السياق قد يضفي الحزب الجديد بريقا على تجربة حزبية فقدت الكثير من مقوماتها السياسية عقب تحكم الحكومة في كثير مفاتحيها الداخلية.
قد يحوي توجه النبراوي استنتاجا مفاده أنه يريد استغلال مساحة تركتها الحكومة في الشارع مؤخرا، ومحاولة استثمارها في عمل سياسي منظم تحت عين وسمع أجهزة الدولة، لأن نقابة المهندسين التي يرأسها لن تمكنه من ممارسة العمل السياسي بمعناه الواسع، فهي نقابة مهنية يقتصر دورها (نظريا) على تقديم خدمات للأعضاء.
انتهى زمن احتراف النقابات المهنية للعمل السياسي بعد أن تيقنت أجهزة الدولة من أنها مفرخة لنشطاء وحركيين ومعارضين، ومكانا آمنا لاختراقها من جانب بعض الجماعات الدينية، وأبرزها جماعة الإخوان التي كانت نقابات مثل: المهندسين والأطباء والمحامين والصحافيين، مدخلا جيدا لتجنيد عناصر، ومكانا لاستعراض القوة السياسية لمضايقة النظام الحاكم.
نجحت الحكومة في فرض سيطرتها على النقابات والأحزاب، لكنها لم تدرك أن العمل في الفضاء العام مات إكلينيكيا، ولم تفلح الأحزاب التي صنعتها الحكومة تحت بصرها في سد الفراغ، لأن أعضاءها لم تتم تربيتهم سياسيا بطريقة متقنة، كما كان الحال في عهد الاتحاد الاشتراكي خلال فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. وعدد كبير ممن جرى تعليمهم وتفريخهم وتقديمهم للعمل العام لم يثبتوا جدوى تخول للحكومة التوسع في التجربة.
سواء خرج إلى النور حزب طارق النبراوي أم لا، فالتجربة الحزبية في مصر بحاجة إلى إعادة تقييم، تفرض التوسع في الكيف على حساب الكم. وأي حراك سياسي إيجابي في الفضاء العام سوف تستفيد منه الحكومة، ويمثل إضافة لتوسيع نطاق خيارتها، بدلا من اللجوء إلى مسارات سرية والضغط عليها بمواقع التواصل الاجتماعي.