'على قيد الحياة' دراما سورية تختبر حدود الصمت الاجتماعي

العمل يُصوَّر في أحياء دمشق، حيث الأزقة الضيقة والجدران القديمة تتحوّل إلى عناصر درامية تكشف الاختناق الاجتماعي والنفسي.

دمشق ـ تحت إدارة المخرج رامي حنّا، يأتي مسلسل "على قيد الحياة" كواحد من الأعمال الدرامية السورية التي تراهن على الإنسان بوصفه محور الحكاية وغايتها، في مقاربة إنسانية اجتماعية تقترب من الجراح المفتوحة في المجتمع، من دون تجميل أو مواربة، ومن دون البحث عن خلاصات جاهزة أو نهايات مريحة. العمل لا يقدّم حلولًا، بقدر ما يضع الأسئلة في قلب المشهد، ويتركها معلّقة في وجدان المشاهد.

ويُصوَّر المسلسل في عدد من أحياء دمشق، مستفيدًا من واقعية المكان وثقله الرمزي، حيث لا تبدو المدينة مجرد فضاء تصويري، بل ككائن حيّ يضغط على ساكنيه ويشاركهم مصائرهم اليومية. الأزقة الضيقة، البيوت المتلاصقة، والجدران التي تحمل آثار الزمن، كلّها تتحوّل إلى عناصر درامية تعبّر عن الاختناق الاجتماعي والنفسي الذي تعيشه الشخصيات.

العمل من قصة وسيناريو وحوار الكاتبة جيهان الجندي، التي عُرفت باهتمامها بالشخصيات المهمَّشة وقضايا المجتمع الشائكة، ويُعدّ امتدادًا لخطها الكتابي الذي ينحاز إلى الإنسان العادي، المكسور، لا إلى الأبطال النمطيين. وتنتمي حكاية "على قيد الحياة" إلى الدراما الإنسانية الاجتماعية، حيث يقدّم حكايات أشخاص يعيشون على حافة الانكسار، لكنهم يصرّون على البقاء، وعلى البحث عن أمل ولو كان هشًّا.

يقدّم المسلسل شخصيات عادية، مسحوقة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، تواجه خيارات قاسية، غالبًا ما تكون كلها خاسرة. هنا لا يُطرح سؤال: كيف ننتصر؟ بل سؤال أكثر قسوة وصدقًا: كيف نبقى أحياء، أخلاقيًا وإنسانيًا، وسط هذا الكم من الألم والتناقضات؟

تتشابك الحكايات داخل حي دمشقي واحد، حيث تتقاطع مصائر الشخصيات، وتتبادل الأدوار بين الضحية والجلاد، في سردية تعتمد على التدرّج النفسي أكثر من الأحداث الصادمة. الصراع لا ينفجر دفعة واحدة، بل يتراكم بصمت، في النظرات، في التردّد، وفي القرارات الصغيرة التي تقود إلى كوارث كبيرة.

ويتناول المسلسل عددًا من القضايا الاجتماعية الحساسة، في مقدّمتها جرائم الشرف، ليس بوصفها حدثًا معزولًا أو حالة استثنائية، بل كنتاج منظومة كاملة من الخوف والجهل والضغط الاجتماعي. كما يقترب العمل من موضوعات أخرى مثل العنف الأسري، الفقر، الاستغلال، الانكسار النفسي، والصراع بين القيم الموروثة والحاجة إلى التغيير، من دون خطاب وعظي أو مباشرة فجّة.

وتشير الكاتبة جيهان الجندي، في تصريح خاص، إلى أن «المسلسل لا يسعى إلى إدانة أشخاص بقدر ما يحاول تفكيك منظومة كاملة، تجعل الجريمة ممكنة ومبرَّرة أحيانًا». وتضيف: «أردت أن أكتب عن الألم من الداخل، عن لحظة التردّد قبل القرار، لأن هناك يولد الصراع الحقيقي، وهناك تتشكّل المأساة».

يشارك في بطولة العمل نخبة من نجوم الدراما السورية، يؤدّون أدوارًا محورية تعكس تنوّع التجربة الإنسانية داخل الحكاية، ويبتعد معظمهم عن القوالب التي اعتادها الجمهور.

ويقدّم قصي خولي شخصية رجل مثقل بالماضي، يحمل سرًا يطارده، ويجد نفسه عالقًا بين رغبته في التكفير عن أخطائه، وخوفه من خسارة ما تبقّى من حياته. شخصية مركّبة تجمع بين القسوة والضعف، يقول عنها خولي "هذا الدور لا يسمح لك بالكذب، لأن الشخصية مكسورة من الداخل، وأي أداء مفتعل يفضحها فورًا. شعرت أنني أتعامل مع إنسان حقيقي، لا مع شخصية مكتوبة".

وتجسّد كاريس بشار شخصية امرأة تواجه مجتمعًا قاسيًا، وتحاول حماية نفسها ومن تحب، في ظل خيارات محدودة. دور يضيء على معاناة المرأة بين السلطة الذكورية والعادات، حيث تؤكد كاريس أن "العمل يضع المرأة في موقع الإنسان أولًا، لا الضحية الدائمة ولا البطلة الخارقة. هي امرأة تحاول النجاة فقط، وهذا ما جعل الدور قريبًا ومؤلمًا".

أما لورا أبوأسعد، فتؤدي دور شابة تصطدم باكرًا بقسوة الواقع، وتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع مفهوم "الشرف" بوصفه سيفًا مسلّطًا على حياتها. شخصية تبدأ ببراءة مهدَّدة، وتتحوّل تدريجيًا إلى رمز للمقاومة الصامتة. وتقول أبوأسعد "أكثر ما أخافني في الدور هو أنه يشبه قصصًا حقيقية نسمعها يوميًا، وهذا ما جعل المسؤولية مضاعفة".

في المقابل، تقدّم نادين خوري دور أم تعيش صراعًا داخليًا بين حماية أبنائها والخضوع لمنظومة اجتماعية قاسية. أداء يعتمد على الصمت والنظرات أكثر من الكلام، حيث ترى خوري أن "قوة الشخصية في عجزها، لا في قدرتها على المواجهة. هذه الأم تعرف أن الصمت خطيئة، لكنها أحيانًا لا تملك غيره".

ويشارك عبدالهادي الصباغ بدور رجل تقليدي، يرى في العادات حصنًا أخلاقيًا، قبل أن يكتشف تدريجيًا أن هذا الحصن قد يتحوّل إلى سجن للجميع. ويشير الصباغ إلى أن "الشخصية ليست شريرة، بل أسيرة أفكار تربّى عليها، وهذا ما يجعلها خطيرة".

ويجسّد مكسيم خليل شخصية ذات حضور حاد، تمثّل سلطة اجتماعية أو اقتصادية تستفيد من هشاشة الآخرين، بينما يقدّم محمد حداقي شخصية قريبة من الناس، شاهدة على التحولات، تحاول التدخّل أحيانًا وتفشل أحيانًا أخرى، في صورة الإنسان العادي العاجز عن التغيير الكامل.

ويعتمد المخرج رامي حنّا لغة بصرية هادئة تميل إلى الواقعية، مع استخدام مدروس للإضاءة الطبيعية، وزوايا تصوير قريبة من الوجوه، ما يخلق حالة من التماهي بين المشاهد والشخصيات. المكان الدمشقي ليس مجرد خلفية، بل عنصر فاعل في السرد، يعكس ضغط المجتمع على أفراده، ويضاعف إحساس الاختناق.

ويقول حنّا في تصريح له "أردنا أن يشعر المشاهد أن الشخصيات تعيش بجواره، وأن ما يحدث يمكن أن يكون خلف أي باب مغلق"، مضيفا "التحدي الأكبر كان تقديم القسوة من دون استعراض، والوجع من دون ابتذال، لأن الألم الحقيقي غالبًا صامت".