'المليئية' حارة سورية تكشف صراع السلطة والعاطفة

عمل درامي سوري يفتح أبواب الحارة الشعبية على أساطير السلطة والعاطفة، حيث تتقاطع الذاكرة مع الرغبة في التغيير والتحوّل.

دمشق ـ يواصل المخرج السوري محمد زهير رجب تصوير مسلسل 'المليئية'، استعدادًا لعرضه في الموسم الرمضاني المقبل، في عمل درامي جديد يسعى إلى كسر القوالب الجاهزة للدراما الشعبية، عبر تقديم تجربة تجمع بين الواقعية الاجتماعية والبعد الأسطوري، ضمن صيغة سردية تمزج بين الرومانسية والتشويق، وتراهن على بناء الشخصيات وتحولاتها النفسية أكثر من الاعتماد على الحدث المباشر أو الإثارة السطحية.

ووفق تصريحات الشركة المنتجة، لا يقدّم العمل حكاية حارة تقليدية كما اعتادت الدراما السورية في السنوات الماضية، بل يسعى إلى بناء عالم درامي خاص ومتماسك، تكون فيه الحارة مرآة مكبّرة لصراعات المجتمع، ومسرحًا مفتوحًا لتقاطع العاطفة مع السلطة، والخوف مع الطموح، والذاكرة مع الرغبة في التغيير، عالم تتشابك فيه العلاقات الإنسانية، وتتداخل فيه المصالح، وتصبح التفاصيل الصغيرة ذات دلالات كبرى.

وتدور أحداث المسلسل في حارة شعبية تحمل اسم 'المليئية'، وهي حارة متخيّلة، لكنها شديدة القرب من الواقع السوري، سواء من حيث العلاقات الاجتماعية المعقدة، أو الحضور الطاغي للسلطة غير المعلنة، أو التقاليد التي تتحول أحيانًا إلى قيود خانقة تحدّ من خيارات الأفراد، وتدفعهم إلى الصدام مع ذواتهم ومع الآخرين.

الحارة في هذا العمل ليست مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر فاعل في السرد الدرامي، الأزقة الضيقة، والبيوت المتلاصقة، والساحات الصغيرة، كلها تشكّل بيئة ضاغطة تؤثر بشكل مباشر في خيارات الشخصيات ومساراتها. ومع إدخال لمسة أسطورية على السرد، يتحول المكان إلى فضاء رمزي مفتوح على التأويل، يحمل أكثر من معنى، ويتيح قراءة العمل على مستويات اجتماعية ونفسية وإنسانية متعددة، دون أن يفقد ارتباطه بالواقع.

ويشير أحد صنّاع المسلسل إلى أن 'المليئية' ليست حارة بعينها، بل نموذج مصغّر عن مجتمع كامل، تتكثف فيه الصراعات الإنسانية بأشكال حادة، وتظهر فيه السلطة بأقنعتها المختلفة، من سلطة العرف، إلى سلطة المال، إلى سلطة الخوف.

ويركّز المسلسل بشكل أساسي على تحولات الشخصيات في ظل صراعات اجتماعية ونفسية معقدة، حيث لا يبقى أحد على حاله، العلاقات تتبدّل والمواقف تتغيّر والتحالفات تتفكك أو تُبنى من جديد، فيما تجد الشخصيات نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات مصيرية، غالبًا ما تكون مؤلمة أو مكلفة، وتترك آثارًا طويلة الأمد في مصائرها.

ويمزج العمل بين خط رومانسي يكشف هشاشة الشخصيات واحتياجاتها العاطفية العميقة، وخط تشويقي مرتبط بالصراع على النفوذ والسلطة داخل الحارة، مع حضور عنصر أسطوري يمنح السرد بعدًا بصريًا ودلاليًا خاصًا، دون أن يبتعد عن الواقعية أو ينزلق إلى الفانتازيا الصرفة.

المليئية' قد يشكّل إضافة نوعية للدراما الرمضانية
المليئية' قد يشكّل إضافة نوعية للدراما الرمضانية

ويرى المخرج محمد زهير رجب أن "الرهان في المسلسل هو على الإنسان، لا على الحدث؛ ما يهمنا هو كيف يتغير البشر حين يوضعون تحت الضغط، وحين تُختبر مشاعرهم ومبادئهم، وكيف يمكن للخوف أو الحب أو الطموح أن يعيد تشكيل الشخصيات من الداخل".

وتشارك الفنانة رنا شميس في 'المليئية' بدور محوري، تجسّد من خلاله شخصية نسائية مركبة، تنتمي إلى قلب الحارة، وتعيش صراعًا داخليًا بين العاطفة والقوة، وبين الذاكرة والرغبة في كسر القيود. الشخصية التي تؤديها شميس بعيدة عن النمطية، وتحمل تناقضات حادة، وتخوض مسارًا تحوليًا واضحًا على امتداد الأحداث، ما يجعلها من الشخصيات الأكثر تأثيرًا في السياق العام للعمل.

وتكتسب مشاركة رنا شميس أهمية إضافية، كونها تخوض في هذا العمل أولى تجاربها في الكتابة الدرامية، من خلال تأليف مشترك مع الكاتب جودت البيك. وفي تصريح لها حول هذه التجربة، تقول "الكتابة كانت مغامرة صعبة وجميلة في آن واحد. حاولنا أن نكتب شخصيات تشبه الناس، بأخطائهم وضعفهم وقوتهم، لا شخصيات مثالية أو شعاراتية"، مضيفة أن "الجمع بين التمثيل والكتابة جعلني أكثر قربًا من الشخصيات، وأكثر مسؤولية تجاه صدقها".

ويشارك الفنان عبدالحكيم قطيفان في العمل بدور يتّسم بالحدّة والجدل، يجسّد شخصية ذات نفوذ داخل الحارة، تجمع بين القسوة والضعف الإنساني، في أداء يُتوقّع أن يضيف ثقلًا خاصًا للأحداث. ويعلّق قطيفان، المعروف باختياراته الجريئة، قائلًا "ما جذبني في 'المليئية' هو أن الشخصيات ليست أحادية؛ لا يوجد شر مطلق أو خير مطلق، بل بشر تحرّكهم مخاوفهم ورغباتهم".

وتحضر الفنانة نادين خوري في دور امرأة تحمل حكمة التجربة ومرارة الخسارات، وتشكل أحد أعمدة الحارة على المستوى الاجتماعي والإنساني، فيما تجسّد مرح جبر شخصية نسائية مختلفة في طاقتها وانفعالاتها، تعكس جانبًا من الصراع العاطفي والنفسي داخل 'المليئية'. وتشير نادين خوري إلى أن "العمل يقدّم المرأة كفاعل أساسي في الحكاية، لا كمجرد هامش، وهذا ما شدّني للنص".

رنا شميس تخوض في هذا العمل أولى تجاربها في الكتابة الدرامية
رنا شميس تخوض في هذا العمل أولى تجاربها في الكتابة الدرامية

وإلى جانب الأسماء السابقة، يضم المسلسل مجموعة واسعة من الفنانين، لكل منهم حضوره الخاص داخل النسيج الدرامي، منهم: جلال شموط، غزوان الصفدي، وسيم الرحبي، كفاح الخوص، لينا حوارنة، وسيم الشبلي، علا باشا، سهيل عقلة، سيما الذهبي، غسان عزب، وصفاء سليمان. هذا التنوع في الأجيال والخبرات يمنح العمل طابعًا جماعيًا واضحًا، حيث تتقاطع الحكايات الفردية لتشكّل سردًا أوسع عن المجتمع.

وقبل عرضه الرسمي، بدأ 'المليئية' يلفت الانتباه على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن نشرت الصفحة الرسمية للمسلسل على منصة فيسبوك مجموعة صور من كواليس التصوير، وأجواء التحضيرات والبروفات.

وأظهرت الصور اهتمامًا واضحًا بالتفاصيل البصرية، والملابس، وبناء الشخصيات، كما كشفت عن تفاعل لافت بين الممثلين، ما انعكس إيجابًا على تعليقات الجمهور.

وقد عبّر عدد كبير من المتابعين عن حماسهم للعمل، مشيدين بأسماء الممثلين المشاركين، وبالطابع المختلف الذي توحي به الصور والملامح الأولى للمسلسل. واعتبر البعض منهم أن 'المليئية' قد يشكّل إضافة نوعية للدراما الرمضانية، خصوصًا مع المزج بين الواقعية والبعد الرمزي، فيما رأى آخرون أن العمل يراهن على محتوى درامي عميق في زمن تزداد فيه الأعمال السطحية.

ويأتي 'المليئية' ضمن حراك درامي نشط تشهده الساحة السورية، إذ أُعلن عن استعداد شركات إنتاج لبدء تصوير عدة أعمال جديدة، من بينها 'النويلاتي' و'سعادة المجنون' و'الحريقة' و'يا أنا يا هي' و'بخمس أرواح' و'نبلاء دمشق'، ما يعكس عودة واضحة للدراما المحلية بزخم متنوع في الموضوعات والأساليب، وسعيًا لاستعادة حضورها عربيًا.