الفيلم التونسي 'صوت هند رجب' شهادة إنسانية تصل إلى الأوسكار
تونس ـ شكّل اختيار الفيلم التونسي "صوت هند رجب" ضمن القائمة القصيرة لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي إنجازا جديدا للسينما التونسية والعربية، ومنح مخرجته كوثر بن هنية ترشيحها الثالث للجائزة الأرفع عالميا، مؤكّدا مرة أخرى حضورها كواحدة من أبرز الأصوات السينمائية في المنطقة، القادرة على تحويل القضايا الإنسانية المؤلمة إلى أعمال فنية ذات صدى عالمي.
ويأتي هذا الترشيح بعد مسيرة لافتة للمخرجة، سبق أن نافست خلالها على جائزة الأوسكار بفيلم "الرجل الذي باع ظهره" عام 2021، ثم بفيلمها الوثائقي "بنات ألفة" عام 2024، قبل أن تعود هذا العام بعمل مختلف في مقاربته، لكنه ثابت في انشغاله بالإنسان، والعدالة، والذاكرة.
ويرتكز فيلم "صوت هند رجب" على قصة مستوحاة من أحداث حقيقية، تضع المشاهد أمام تجربة إنسانية قاسية تُروى من خلال الصوت أكثر من الصورة، فالفيلم لا يسعى إلى إعادة تمثيل الحدث بقدر ما يحاول استحضار أثره النفسي والإنساني، جاعلًا من الصوت وسيلة مقاومة، وذاكرة، واحتجاج.
تتابع أحداث الفيلم رحلة البحث عن الحقيقة خلف قصة الطفلة هند رجب، حيث يتحوّل صوتها المسجّل إلى محور السرد، وإلى عنصر درامي أساسي يعيد تشكيل المشاهد، ويقود المتلقي في مسار عاطفي متصاعد.
وبين الوثائقي والروائي، تبني بن هنية عملًا يرفض الاستغلال العاطفي، ويعتمد على التلميح أكثر من الصدمة، وعلى الغياب بقدر ما يعتمد على الحضور.
وفي تصريح نشرته على صفحتها الشخصية في فيسبوك باللغة الإنكليزية، عبّرت كوثر بن هنية عن مشاعرها حيال الترشيح، قائلة، "اليوم، ‘صوت هند رجب’ رُشّح رسميًا لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي. لا أعلم حقيقة كيف أكتب هذه الجملة دون أن أتوقف للحظة. هذا الترشيح هو بالأساس لهند، لصوتها، ولكل ما لم يكن يجب أن يحدث لكنه حدث".
وأضافت، "هذا الفيلم لكل من آمن أن السينما لا تزال قادرة على أن تكون مساحة للحقيقة، والاهتمام، والمسؤولية"، مؤكدة، أن وجود الفيلم ضمن هذه القائمة العالمية هو اعتراف بقوة القصة أكثر من كونه إنجازا شخصيا.
وقالت بن هنية في تصريحات أخرى، أن التحدي الأكبر كان "كيف نحكي القصة من دون أن نجرّدها من إنسانيتها، ومن دون أن نحوّل الألم إلى مادة استهلاكية"، مشيرة إلى أن الصمت في الفيلم كان أحيانًا أبلغ من الحوار، وأن اختيار الصوت جاء كخيار أخلاقي قبل أن يكون فنيا.
ورغم أن الفيلم لا يعتمد على الأداء التمثيلي التقليدي بقدر اعتماده على البناء الصوتي والسردي، فإن الشخصيات التي تظهر في العمل جاءت محمّلة بثقل نفسي واضح.
ويشير أحد الممثلين المشاركين في الفيلم إلى أن "التمثيل هنا لا يقوم على الانفعال الظاهر، بل على ضبط المشاعر، لأن القصة نفسها أقوى من أي أداء".
ويضيف أن العمل مع كوثر بن هنية "يتطلب وعيا أخلاقيا بقدر ما يتطلب مهارة فنية"، لافتًا إلى أن المخرجة كانت حريصة على أن يشعر كل فرد في فريق العمل بمسؤوليته تجاه القصة التي يرويها الفيلم.
ومنذ عرضه الأول في المهرجانات الدولية، حظي "صوت هند رجب" بإشادة نقدية لافتة، فقد اعتبره عدد من النقاد عملا "يقاوم النسيان"، ويعيد تعريف دور السينما بوصفها فعل شهادة لا مجرد وسيلة ترفيه.
وكتب أحد النقاد في مجلة سينمائية أوروبية أن الفيلم "يُربك المشاهد بهدوئه، ويترك أثرا طويل الأمد بعد انتهائه".
كما أشاد نقاد آخرون بالجرأة الشكلية للفيلم، وباختياره الابتعاد عن الصور الصادمة، والتركيز بدلًا من ذلك على الأثر النفسي والإنساني
ورأى بعضهم أن الفيلم "يمنح الضحية صوتا من دون أن يتحدث باسمها"، وهو توازن دقيق نادرًا ما يتحقق في أفلام تستند إلى وقائع حقيقية مؤلمة.
إلى جانب ترشيحه للأوسكار، شارك الفيلم في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية، حيث حصد جوائز وتكريمات خاصة تتعلّق بالبعد الإنساني والحقوقي.
نال الفيلم إشادات خاصة من لجان تحكيم أكدت أن العمل "يطرح أسئلة أخلاقية عميقة حول دور السينما في زمن العنف".
ويمثّل وصول الفيلم إلى القائمة القصيرة للأوسكار تتويجا لمسار طويل من العمل والمثابرة، ليس فقط للمخرجة، بل للسينما التونسية التي تواصل تثبيت حضورها عالميًا عبر أعمال جريئة ومختلفة.
مع إعلان أكاديمية علوم وفنون السينما الأمريكية عن تنظيم حفل الدورة 98 من جوائز الأوسكار في 15 مارس بمدينة لوس أنجلوس، تتجه الأنظار إلى «صوت هند رجب» بوصفه أكثر من مجرد منافس على جائزة، فهو عمل يذكّر بأن السينما قادرة، حين تُنجز بصدق، على أن تكون فعل ذاكرة، وموقفًا أخلاقيًا، وصوتًا لمن لا صوت لهم.
ويرسخ الفيلم مكانة كوثر بن هنية كمخرجة تملك مشروعًا فنيًا واضحًا، لا ينفصل فيه الجمالي عن الإنساني، ولا ينحاز فيه السرد إلا للحقيقة، مهما كانت مؤلمة. وهو ما يجعل من "صوت هند رجب" عملا مفتوحا على العالم، وعلى الضمير الإنساني قبل أي تتويج.