'عيلة الملك' ساحة صراع سلطوي يعكس هشاشة الروابط العائلية
دمشق ـ يأتي مسلسل "عيلة الملك" بوصفه واحدًا من أبرز الأعمال الدرامية السورية التي أعادت تسليط الضوء على التحولات العميقة داخل العائلة، مستندا إلى حكاية اجتماعية مشبعة بالتوترات الإنسانية والصراعات النفسية، ومقدّما معالجة درامية تمزج بين الواقعية القاسية والبعد الرمزي، من دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب الوعظي.
ويستخدم العمل قصة عائلة واحدة كمرآة لواقع اجتماعي أوسع، تتقاطع فيه السلطة العائلية مع الطموح الشخصي، والحب مع الخيانة، والذاكرة الثقيلة مع حاضر متقلّب لا يمنح شخصياته فرصة سهلة للخلاص. فالعائلة هنا ليست مساحة أمان مطلقة، بل بنية اجتماعية قابلة للانفجار في أي لحظة.
العمل من تأليف ورشة كتابة بإشراف محمد عبدالعزيز، وشارك في صياغة السيناريو كل من شادي كيوان، معن سقباني، وميادة إبراهيم، ومن إخراج محمد عبدالعزيز.
وتدور أحداث المسلسل حول عائلة سورية كبيرة تحمل اسم "الملك"، تتصدّر المشهد فيها شخصية الأب، الذي شكّل لعقود مرجعية مطلقة داخل البيت، وصاحب القرار الأول والأخير في مصائر أبنائه.
ومع تقدّم الزمن وتراجع حضوره الجسدي والمعنوي، تبدأ الشقوق بالظهور داخل هذه السلطة، كاشفةً عن أسرار دفنت طويلا، وصراعات مؤجّلة، وطموحات متناقضة بين الإخوة والأخوات.
ويرى سلوم حداد، الذي جسّد شخصية الأب، أن الدور "ليس صورة نمطية عن الأب المتسلّط بقدر ما هو نتيجة تراكمات اجتماعية"، مضيفا، "حاولت أن أقدّم شخصية تؤمن أنها تحمي العائلة بالقسوة، من دون أن تدرك أن هذه القسوة نفسها هي ما دمّرها من الداخل".
ويتصاعد البناء الدرامي من خلال شبكة علاقات معقّدة بين أفراد العائلة، حيث تتقاطع المصالح المادية مع الجراح العاطفية، ويصبح الماضي عبئًا ثقيلًا يفرض نفسه على الحاضر. وتتحوّل الخلافات الصغيرة إلى مواجهات كبرى، فيما تتآكل الثقة تدريجيًا بين الإخوة، ليغدو البيت ساحة صراع مفتوحة.
وتطرح الأحداث سؤالا جوهريا حول مفهوم السلطة داخل العائلة الشرقية، وكيف يمكن لشخصية الأب المتسلّط أن تترك أثرا طويل الأمد على الأبناء، حتى بعد غيابه أو ضعفه، فالأب في "عيلة الملك" لا يُقدَّم كشخصية شريرة مطلقة، بل كنتاج منظومة اجتماعية كرّست الذكورية وربطت الهيبة بالقسوة، وجعلت الطاعة معيارا للحب.
ويرسم المسلسل شخصيات الأبناء بواقعية لافتة، بعيدا عن القوالب الجاهزة، فلكل ابن أو ابنة أزمته الخاصة التي تتقاطع مع أزمة العائلة الكبرى.
هناك من اختار المواجهة المباشرة مع سلطة الأب، وهناك من لجأ إلى الصمت والانكسار، فيما حاول آخرون استثمار هذا النفوذ لصالحهم.
ويحضر الخط النسائي في "عيلة الملك" بوصفه أحد أهم محركات السرد الدرامي. فالنساء في العائلة لسن شخصيات هامشية، بل عناصر فاعلة في تشكيل الصراع، سواء عبر المقاومة الصامتة أو المواجهة المباشرة.
وتظهر الأم بوصفها شاهدة على انهيار البيت، تحاول الحفاظ على ما تبقى من الروابط، بينما تسعى الابنة إلى كسر السقف المفروض عليها، رافضةً أن تكون مجرد امتداد لسلطة الأب.
وتقول نادين خوري التي أدّت دور الأم، "هذه الشخصية تعيش صراعا داخليا مؤلما بين خوفها على أولادها وخوفها منهم. هي تعرف الحقيقة، لكنها لا تملك دائمًا الشجاعة لمواجهتها".
وأوضحت أن دورها يقدّم نموذجًا لامرأة تواجه ضغوطًا اجتماعية ونفسية، مؤكدة أن النص يبتعد عن القوالب التقليدية ويمنح المرأة مساحة فاعلة.
وأشارت شكران مرتجى التي تقوم بدور سندس الملك إلى أن العمل يطرح أسئلة أخلاقية واجتماعية جريئة، وأن شخصيتها تمثّل جانبًا من التوتر بين الطموح الشخصي والقيود العائلية.
ولا يغفل المسلسل دور المال والميراث في تفجير الخلافات العائلية، حيث يتحوّل الصراع على الممتلكات إلى اختبار حقيقي للعلاقات. فالميراث هنا ليس مجرد تقسيم أموال، بل إعادة فتح دفاتر قديمة من الظلم والمحاباة والخذلان. وحين يدخل المال إلى المعادلة، تسقط الأقنعة سريعًا، وتظهر التحالفات المؤقتة والانقسامات الحادّة.
ويرى شادي كيوان كاتب السيناريو، في تصريح سابق، أن "الميراث في الدراما ليس موضوعا ماليا فقط، بل مرآة لما تراكم من ظلم داخل الأسرة عبر سنوات"، مضيفا أن النص حاول مقاربة هذا الملف بحساسية عالية، من دون إصدار أحكام أخلاقية جاهزة أو تبرئة طرف على حساب آخر.
من جهته، يؤكد مخرج العمل محمد عبدالعزيز أن التحدي الأكبر كان في "إدارة عدد كبير من الشخصيات من دون أن يفقد المسلسل توازنه"، مشيرا إلى أن الرهان الأساسي كان على الأداء التمثيلي لا على الأحداث الصاخبة.
وأضاف أن التصوير جاء بروح قريبة من المسرح النفسي، حيث تكون الكلمة والنظرة والصمت عناصر درامية أساسية.
يحظى المسلسل بإشادة واسعة على مستوى الأداء، إذ قدّم الممثلون أدوارا تعتمد على التفاصيل الدقيقة والانفعالات الداخلية. ويشير أحد النقاد إلى أن "قوة عيلة الملك تكمن في الأداء الجماعي، لا في نجم واحد، وهو ما منح العمل صدقيته".
ولا يقدّم "عيلة الملك" حلولا جاهزة لمشكلاته المطروحة، بل يكتفي بفتح الأسئلة أمام المشاهد: هل يمكن تفكيك السلطة داخل العائلة من دون تدميرها؟ وهل المصالحة ممكنة بعد سنوات من القهر؟ وأين يقف الحد الفاصل بين البرّ والطاعة العمياء؟