العشائر السورية بين تقلب الولاءات وانهيار الشراكة السياسية.. قراءة نقدية في سياق روج آفا

الإشكالية لا تكمن في "العشائر" كمكوّن اجتماعي، ولا في "العرب" كهوية قومية، بل في نخب عشائرية محددة اختارت تغيير الولاءات كأداة للبقاء، حتى لو كان الثمن دم المدنيين واستقرار المجتمعات المحلية.

لم يكن دور العشائر العربية في سوريا ثابتًا أو قائمًا على رؤية سياسية واضحة، بل اتسم تاريخيا بالبراغماتية والتكيّف مع موازين القوة. ومع اندلاع الحرب السورية، تحوّلت هذه السمة من آلية اجتماعية للبقاء إلى نمط سياسي انتهازي ساهم في تعميق الفوضى وإطالة أمد العنف، خصوصًا في المناطق ذات الحساسية القومية مثل روژئاڤا (شمال وشرق سوريا).

في محافظتي الرقة ودير الزور، انخرطت قطاعات من عشائر معروفة مثل العكيدات، والبكّارة، والجبور في تحالفات متبدلة تبعًا للقوة المسيطرة. ففي مرحلة تمدد تنظيم الدولة الإسلامية (2014–2017)، وفّر بعض وجهاء هذه العشائر الغطاء الاجتماعي للتنظيم، سواء عبر المبايعة العلنية أو الصمت القسري، مقابل الحفاظ على النفوذ المحلي أو تجنّب الاستهداف. وقد وُثّقت هذه المرحلة مشاركة عشائرية في إدارة محلية فرضها داعش، قبل أن تنقلب عليه عند تراجع قوته العسكرية.

مع هزيمة داعش، انتقلت هذه العشائر إلى التحالف مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لا بوصفها شريكًا سياسيًا، بل باعتبارها السلطة الجديدة القادرة على فرض الأمن. ورغم أن قسد اعتمدت سياسة الاحتواء ودمج أبناء العشائر في المجالس المدنية والعسكرية كما في مجلس دير الزور المدني، فإن هذا الاندماج لم يُترجم إلى ولاء سياسي مستقر.

الأحداث الأخيرة، بما فيها انسحاب بعض التشكيلات العشائرية أو تعاطفها العلني مع فصائل مسلحة معادية للكرد في ريف الحسكة ومنبج ومحيط عين عيسى، كشفت هشاشة هذه التحالفات. والأخطر أن هذا الانقلاب تزامن مع انتهاكات طالت المدنيين الكرد، ما يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة حول معنى الشراكة وحدودها.

إن الإشكالية هنا لا تكمن في "العشائر" كمكوّن اجتماعي، ولا في "العرب" كهوية قومية، بل في نخب عشائرية محددة اختارت تغيير الولاءات كأداة للبقاء، حتى لو كان الثمن دم المدنيين واستقرار المجتمعات المحلية.

من هذا المنطلق، فإن تكرار الدعوة إلى التعايش دون مراجعة نقدية لهذه السلوكيات يُعيد إنتاج الأزمة بدل معالجتها. فالشراكة السياسية لا يمكن أن تقوم على الذاكرة القصيرة، ولا على تجاهل أنماط الخيانة المتكررة.

إن إنسانية الكرد، التي دفعتهم تاريخيًا إلى فتح أبواب الشراكة حتى مع من خذلهم، تشكّل قيمة أخلاقية عالية، لكنها لا يمكن أن تبقى بديلًا عن وعي سياسي قائم على المساءلة، فالإنسانية بلا ذاكرة سياسية تُستنزف، والتعايش بلا قواعد واضحة يتحول إلى عبء على الضحية وحدها.