روائي مصري: العرب تتملكهم حالة انبهار حضاري بكل ما هو غربي ومستورد

السيد شحته: علي العرب أن يثقوا بما يكتبون وألا ينساقوا وراء تقديس الكتابات الغربية.
كاتب مصري: الرواية العربية تعاني من مشكلات الترجمة
الكتابة الروائية العربية وليدة ثقافة من الصمود والعناد والتحدي
النقد العربي في حاجة إلى أن يُجدّد شبابه حتى لا يشيخ

قال الكاتب والروائي المصري السيد شحته، إن الرواية العربية تعيش واحدًا من أزهى عصورها، وأن لدى العرب كتابات روائية لا تقل عن مثيلاتها عالميًا وربما تزيد.

وأوضح "شحته" أن الرواية العربية تواجه صعوبات في مجال ترجمتها إلى اللغات الأخرى، وقصر تلك الترجمة في الكثير من الأحيان على أمساء بعينها ربما لا تكون أعمالهم الأفضل، وذلك بحسب قوله.

ورأى السيد شحته، أن الرواية العربية لم تنل ما تستحقه عالمياً، وارجع ذلك إلى ما وصفه بـ "نظرة استعلائية ذات بُعد استعماري" ينظر بها الغرب إلى تلك المنطقة من العالم – المنطقة العربية – حيث يراها "مساحة لتقاسم النفوذ وفرض حدود التبعية".

 وأضاف بأنه برغم تقديره للأدب الكوري والياباني والصيني، إلا أنه يرى أن ما نالته تلك الآداب من احتفاء عالمي، يعود إلى صعود تلك الدول في مجالات السياسة والاقتصاد، وأن تسليط الضوء على آداب تلك الدول والتوسع في ترجمتها إنما هو بهدف فهم "كيف يفكرون"، وما الهوم التي تؤرقهم، واعتبر أن العرب مقصرين في التواصل مع الغرب باللغة التي تفهمها الشعوب الغربية، وذهب إلى القول بأن العرب تتملكهم "حالة انبهار حضاري" بكل ما هو غربي وكل ما هو مستورد"، مؤكدا على أن الحاجة ماسة لأن يكون لدينا قدر من معقول من الثقة والاعتزاز بهويتنا وحضارتنا. والحاجة - كذلك - لأن نشعر بقيمة ما نكتب، مع عدم الانسياق في تيار تقديس الكتابات الغربية. وأن نحتفي بكتابات المبدعين العرب كما نفعل بالأعمال الأجنبية المترجمة للعربية.

وأكد شحته أن الرواية العربية بلغت مرحلة كبيرة من التطور عبر أجيال من المبدعين والمبدعات، ولكنها للأسف الشديد لم تحصل على التقدير الذي تستحقه سواء داخلياً أو خارجياً.

واعتبر أن المشكلة الأكبر تبدو في الهوّة الكبيرة بين حجم الروايات العربية التي تصدر، وبين الانتشار والرواج والوصول للقراء. وأشار إلى أنه في حالات كثيرة لا تكون الرواية العربية القويّة هي الأكثر رواجاً، وأن المبيعات والجوائز في بعض الأحيان تذهب إلى أعمال أقل من غيرها، وأضاف بأن جزء من هذا الموضوع يمكن إرجاعه إلى هيمنة السوشيال ميديا التي باتت ترفع أسماء إلى عنان السماء وتهبط بأخرى إلى سابع أرض دون أن يكون لذلك ارتباط وثيق بجودة المكتوب.

وقال الروائي المصري السيد شحته، إن "لدينا الآن كتاب كل ما يشغلهم في هذا الصدد هو بناء شبكات نفوذ واسعة في الفضاء الرقمي، عبر تشبيكات وتربيطات مع مسؤولي مجموعات القراءة والكتب واليوتيوبرز والبلوجرز. وأن هناك في المقابل كتاب مخلصون للإبداع، منحازون للنصوص الجميلة، ولكن أعمالهم أقل انتشارًا لأنهم لا يجيدون التعاطي مع السوشيال ميديا. وأقر بأنه على الرغم من ذلك تظل الكتابة الجميلة والصادقة تعيش عمرًا أطول.

وحول رؤيته لمستقبل الرواية العربية، قال إنه ليس قلقاً من الغد ولا مفرطًا في التفاؤل بشأنه، لكنه برى أننا في هذه المنطقة بطبيعتنا مقاومون أشداء، فمن الصعب أن يفرض أحد أجندته علينا، وأننا رغم أسئلة الهوية الصعبة قادرون على أن نتنزع لأنفسنا مكانًا تحت الشمس، فالعربي من الصعب كسره، والكتابة الروائية العربية وليدة ثقافة من الصمود والعناد والتحدي.

وحول رؤيته لمدى قدرة الحركة النقدية على مواكبة حركة النشر الواسعة في مجال الرواية؟ قال السيد شحته، إنه في الوقت الذي تطورت فيه الرواية العربية بشكل كبير، فإن النقد ما زال يراوح مكانه، فالنقد حتى الآن ما زال منشغلاً بالشكل أكثر من المضمون.

وتابع بقوله: إن من يتأمل الكتابات النقدية الآن، سيجد أنها في مجملها تدور حول أعمال أسماء بعينها، وأن هذه الأسماء لروائيين من كبار السن، وكأن النقاد يتوجسون خيفة من الكتابات الشابة، ومن ثم ينظرون إلى عدد من الروائيين بوصفهم أصغر من أن يُكتب عنهم. مُشددا على أن النقد يجب أن يجعل من قوة النص المعيار الأول، وليس اسم دار النشر أو شلة المؤلف.

وأكد على أن الحاجة الماسة لتصويب البوصلة، تحتاج إلى إحياء دور الكشاف الثقافي، وهو الدور الذي كان يلعبه باقتدار شديد الكاتب الراحل رجاء النقاش، وأن الكاتب الوحيد الذي يمثل امتداداً لرجاء النقاش، هو الكاتب ماهر حسن، وذلك بحسب قوله.

وأوضح السيد شحته، أن دور الناقد هو أن يُكرس جهده لاكتشاف المواهب الأدبية، وأن يُفتش عن الكتابات التي تتمتع بالجودة والمتانة، ولا يتأثر بشهرة الكاتب أو الوظيفة التي يشغلها.

وبيّن مدى الحاجة لتقديم قراءات نقدية تُركز على قياس حدوده وتأثيراته ومنابره والمنهجية التي يعمل بها. نحن بحاجة ماسة إلى تيار نقدي جديد يعمل بطريقة أكثر موضوعية وأكثر انفتاحًا، بعيدًا عن المبالغة في الإطراء أو خَسْفِ الأرض بكتابات واعدة.

وقال إنه ليس معقولاً أن تظل الكتابات التجريبية خارج دائرة النقد. وأكد على أن الجمود لا يقود أبدًا إلى التقدم، وأنه علينا أن نتذكر أنه في الإبداع ليس هناك قداسة لشخص أو فكرة أو سردية معينة. وأن الإبداع في أبسط مفاهيمه هو خلق شيء لم يكن له وجود من قبل، فكيف، وأنه وفق هذا المفهوم، لا يمكن أن يرفض النقد أن يتفاعل مع أعمال إبداعية لمجرد أنها لمبدعين أو مبدعات شبان؟ وشدد على أن النقد العربي في حاجة إلى أن يجدد شبابه حتى لا يشيخ.

وتساءل "شحته": هل يعقل أن كاتبًا بحجم وتأثير الدكتور أحمد خالد توفيق لم تنل كتبه قدرًا وافيًا من الدراسات النقدية حتى الآن؟

وحول مدى الحاجة إلى منهج ينبع من تراثنا العربي في نقد الرواية؟ قال إن الحاجة مُلحة لتفكيك السلطوية الحاكمة للخطاب الثقافي بشكل عام؛ ورأى أن هناك نقد يتعاطى مع كتابات بعينها ويحاول أن يحكم بالموت على كل ما سواها، ووصف ذلك بـ "الظلم البيّن". وأكد على أنه إذا عُدنا لتراثنا العربي، فلن تجد المصالح متحكمة بهذا الشكل.

سألنا السيد شحته: كيف استطاعت الرواية أن تصل إلى ما وصلت إليه من ذيوع برغم أنها من أحدث الفنون الأدبية العربية؟ وأجاب بقوله: في اعتقادي أن المشهدية التي تتميز بها الرواية جعلتها أكثر قدرة على مواكبة العصر الذي نعيشه والذي فرضت فيه اللقطة والصورة نفسها، وأنه علينا أن نعترف بالفضل الذي لعبته أجيال من الكتاب في تجديد شباب الرواية العربية، وهو ما ساهم في إخراجها إلى عوالم أكثر رحابة، ونوّه بالدور الذي لعبه الإعلام العربي في انتشار الرواية، خاصة في بداية ظهور الفضائيات والصحف العربية ذات الطبعات الدولية، إضافة إلى ما أسهمت به السوشيال ميديا في منح الرواية المزيد من الزخم. زخمًا أكبر، ولكنه لفت إلى أن الإشكالية التي تبقى حتى الآن هي غياب الموضوعية في أحيان كثيرة فيما يُروَّج له على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يبقى الحاكم في أحيان كثيرة هو الشللية.

ونبّه إلى أن الرواية العربية استطاعت أن تقهر أسوار سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأن توجه ضربات قوية للسردية الصهيونية، كما فعلت رواية "قناع بلون السماء" للفلسطيني باسم خندقجي، والتي تُوجت بجائزة البوكر العربية في الوقت الذي كان فيه كاتبها حبيسًا خلف القضبان.

وحول موقفه من التيارات الحديثة في الرواية، قال إن الإبداع ابن التجديد والتطور، وأن الفن الحقيقي يرفض القوالب الجامدة، وأن التيارات الحداثية والاتجاهات التجريبية في الرواية لم تنشأ من فراغ، وإنما تمثل نوعًا من التحدي، وتأتي في أغلبها في إطار إفساح مساحة أكبر للرواية ومنحها مزيدًا من القدرة على الصمود والمواجهة.

وأضاف بأنه لا يُريد كواحد من كتاب الرواية، أن ينقرض الفن الروائي في يوم من الأيام مثل الديناصورات، أو أن يصيبها ما أصاب الشعر، فتنزوي منعزلة، ولذا فهو مع كل جهود تؤدي بعثها وتجديد شبابها.

وحول رؤيته لمدى تأثير الجوائز الأدبية والمسابقات وخاصة الخليجية في الفن الروائي؟ قال الروائي السيد شحته، إن الجوائز الأدبية، خاصة الخليجية منها، أثرت بالإيجاب. وأنه يعترف بأن هذه الجوائز فتحت عينه على روايات من المشرق والمغرب لم يكن ليسمع بها لولا ترشحها ضمن القوائم الكبرى أو تتويجها بجائزة. واعتبر أن الجوائز تصنع مناخاً مناخ محفزاً على الإبداع، واحتفاء واسع بالفن الروائي.

يُذكر أن السيد شحته، روائي وناقد وصحافي مصري، درس الإعلام، تنقل بين عدد من الصحف المصرية والعربية، وتولي منصب مدير تحرير صحيفة اليوم السابع لمدة عشر سنوات، اختار العمل في حقل الصحافة الثقافية، وكتب في العديد من المواقع والمجلات المتخصصة، وله ثلاث إصدارات روائية.