سردية هجائية تفكك آليات الطغيان في 'ساحر الغراب' لنغوغي وا ثيونغو
تُعد رواية "ساحر الغراب للكاتب الكيني الكبير نغوغي وا ثيونغو واحدة من أضخم وأهم الملاحم الأدبية في الأدب الأفريقي الحديث. صدرت باللغة الكيكويوية أولاً ثم تُرجمت للإنكليزية، وهي تمزج بين الواقعية السحرية، الهجاء السياسي، والفلكلور الشعبي.
الرواية التي شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 طرح ترجمتها للعربية صدرت عن دار روايات التابعة لمجموعة كلمات الإماراتية، بترجمة الشاعر والقاص أسامة جاد. الذي أعدها ذروة المشروع السردي لأحد أبرز أعلام الأدب الأفريقي في القرن العشرين والحادي والعشرين، وقال "استغرقت ترجمتها وقتا كبيرا بالنظر إلى ضخامة حجمها (جزأين) وبراعة ألعابها السردية وتنوع أسئلتها الوجودية في مجتمع ما بعد الاستعمار".
تبدأ الأحداث في دولة أفريقية خيالية يحكمها دكتاتور يُدعى "الحاكم"، وهو رجل يحيط نفسه بحاشية من الوزراء الذين وصل بهم النفاق إلى حد الخضوع لعمليات تجميلية مشوهة، مثل توسيع الأعين والآذان، ليثبتوا له أنهم عيونه وآذانه التي لا تنام، وفي خضم هذا الهوس بالسلطة، يُعلن الحاكم عن مشروعه الأكبر "مارش الفلكي"، وهو برج بابل حديث يهدف للوصول إلى السماء ليتحدث مع الله مباشرة بتمويل من بنك عالمي.
وفي ظل هذا العبث، نلتقي بـ "كاميتي"، وهو شاب متعلم يحمل شهادات عليا لكنه يجد نفسه يبحث عن لقمة عيشه في القمامة، وأثناء هروبه من الشرطة مع رفيقته "نيايورو"، يختبئان في مكان مهجور ويضعان لافتة تحذيرية كاذبة تقول: "هنا يسكن ساحر الغراب العظيم.. احذروا!"، وكان الهدف من اللافتة إبعاد الشرطة فقط، لكن المفارقة تحدث عندما يبدأ الناس وحتى المسؤولون بالقدوم إليه طلباً للشفاء أو الترقي في مناصبهم، معتقدين حقاً بوجود قوة خارقة.
وهكذا يتحول "ساحر الغراب" من مجرد كذبة إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية، حيث يكتشف كاميتي ونيايورو أن الناس في أبوريريا يعانون من أمراض نفسية ناتجة عن القمع والخوف، فيبدأ كاميتي باستخدام ذكائه وفهمه للنفس البشرية لعلاجهم، بينما تستغل نيايورو هذه الهالة لتنظيم حركات مقاومة سرية تحت مسمى "حركة الصوت". وتتعقد الأمور أكثر عندما يصاب الحاكم نفسه بمرض غريب يُدعى "النفخة"، حيث ينتفخ جسده كبالون ويصبح عاجزاً عن الكلام، ليصبح "ساحر الغراب" هو الأمل الوحيد لعلاجه، مما يضع كاميتي في مواجهة مباشرة مع رأس النظام.
تصل الرواية إلى قمتها مع انهيار مشروع البرج الفلكي بسبب الفساد المالي والتناحر بين الوزراء، وفي هذه الأثناء، يتحول "ساحر الغراب" إلى رمز للوعي الشعبي، حيث يدرك الحاكم أخيراً أن عدوه ليس ساحراً يلقي التعاويذ، بل هو الحقيقة التي بدأت تتسرب إلى عقول الشعب. وتنتهي الملحمة بمزيج من المأساة والأمل، فيختفي كاميتي ونيايورو كأشخاص، لكن أسطورة "ساحر الغراب" تظل حية في وجدان الناس كرمز للقدرة على التغيير، ليترك نغوغي القارئ مع نتيجة مفادها أن السحر الحقيقي ليس في طرد الأرواح، بل في قدرة الشعوب على استعادة صوتها وكرامتها من براثن الطغيان.
يرى جاد أن نغوغي وا ثيونغو، الذي ولد عام 1938 في قرية كاميريثو بكينيا تحت الحكم الاستعماري البريطاني، وتوفي في 28 مايو/حزيران 2025 عن 87 عاماً في بوفورد بولاية جورجيا الأمريكية، ليس مجرد روائي غزير الإنتاج، بل مشروعاً ثقافياً متكاملاً يجمع بين الكتابة والنقد والنضال السياسي. نشأ في أجواء الاستعمار، وشهد ثورة "الماو ماو"، ثم ميلاد الدولة الكينية الحديثة. وبدأ مسيرته بالكتابة بالإنجليزية، محققاً شهرة عالمية، لكنه سرعان ما أعلن قطيعته معها، مفضلاً لغته الأم "الكيكويو"، معتبراً اللغة ليست وعاءً محايداً بل حاملة للسلطة والقهر.
ويضيف "في كتابه النظري المرجعي "تفكيك العقل الاستعماري" (1986)، يشرح نغوغي كيف يبدأ الاستعمار من اللسان، وكيف تحولت اللغة الاستعمارية إلى أداة لترويض الوعي والمخيلة. هذا الموقف الأخلاقي والسياسي دفعه إلى الكتابة بالكيكويو، مما جعله في قلب النضال لاسترداد الذات الثقافية. ولم يكن نغوغي غريباً عن السجن والنفي؛ فقد دفع ثمن مواقفه الجريئة مراراً، بما في ذلك سجنه عام 1977 بسبب مسرحية ساخرة هاجمت ديكتاتور كينيا دانيال أراب موي. ومع ذلك، خرج في كل مرة أكثر قناعة بأن الأدب يمكن أن يكون جبهة مقاومة، يعيد النظر في مفاهيم التقدم والدولة والدين والثقافة.
ويلفت جاد إلى أن "ساحر الغراب"، التي كتبها نغوغي أولاً بالكيكويو تحت عنوان "موروغي وا كاغوغو" ثم ترجمها بنفسه إلى الإنجليزية عام 2006، استغرقت ست سنوات في التأليف، وحصدت جوائز مثل الميدالية الذهبية لجائزة كاليفورنيا للكتب وجائزة تاهتيفانتاسيا. وتدور أحداث الرواية في جمهورية "أبوريريا" الخيالية، التي تعكس صورة للعديد من الجمهوريات المأزومة في أفريقيا والعالم العربي. الحاكم الأعلى فيها ليس شخصاً بقدر ما هو تجلٍ لمنطق السلطة الفاقد لأي أساس أخلاقي أو عقلاني. مرضه الغريب، الذي يجعله منتفخاً كبالون، يصبح مناسبة لفتح روافد سردية متعددة، تتقاطع فيها الحكايات الشعبية والفانتازيا السياسية والهجاء الفلسفي والحب الشخصي. من خلال شخصيتي كاميتي، "ساحر الغراب"، ونياويرا، يتابع القارئ تفكك نظام استبدادي ليس عبر الثورة المسلحة بل من خلال التهكم والفكاهة والسحر واللا عقلانية. الرواية تسخر من كل ما هو مؤسسي: خطب الزعماء، وتقارير البنك الدولي، وخطط التنمية الزائفة، والدين حين يصبح أداة هيمنة. كما تنحاز للغريب والمنبوذ والمهمش، وتضعهم في مركز السرد كفاعلين لا كضحايا.
ويشير جاد إلى أن السرد في الرواية فلا يخضع لتقنيات الرواية الأوروبية الكلاسيكية، بل هو متشظٍ دائري، تتعدد فيه الأصوات وتتشابك الأزمنة، ويستعيد تقاليد الحكي الشفاهي، مما يجعلها رواية تكتب من داخل الثقافة التي تصفها.
ويصف في تقديمه، الترجمة كـ"عبور ثقافي" يتطلب وعياً بالاختلاف والتعقيد، موضحا أن الرواية لا تُقرأ بقدر ما تعاش، وتستدعي قارئاً يقظاً مدرباً على فك شفرات اللغة والتاريخ والسياسة. واجه جاد تحديات ترجمية عديدة، بدءاً من إعادة التفكير في دور المترجم: هل هو ناقل أم كاتب ظل؟ هل يلتزم بحرفية النص أم يستجيب لضرورات التلقي؟ وسعى إلى الموازنة بين هذين الحدين، مراعياً خصائص النص الأصلي والذائقة العربية المعاصرة.
ويقول جاد أن أبرز صعوبات الترجمة تجلت في تعدد اللغات في النص، الذي راوح بين الإنجليزية كلغة سرد رئيسة، والسواحيلية، والهندية، والعربية، ولغة "شينغ" الدارجة في مناطق شرق أفريقيا. هذه اللغة الحديثة نسبياً تجمع بين الإنجليزية والسواحيلية وبعض اللهجات القبلية، وتتطور بسرعة تجعل تعبيراتها قديمة بعد عام واحد. وقد استعان جاد بمشورة الباحثة الكينية د. رحاب نجيري من جامعة كولونيا الألمانية، التي أوضحت أن معاجم شينغ شديدة التسارع، مما فسر بعض المشاهد مثل صرخة تاجيريكا على سيكيوكو واصفاً حديثه بالقديم.
ويؤكد أن الرواية رحلة متنوعة بين ثقافات متعددة، تؤكد على الأصالة الثقافية مقابل عالم الشركات متعددة الجنسيات في عصر ما بعد الكولونيالية. وتمزج الواقعية المغلفة بسخرية سوداء، والسحرية القائمة على الغروتيسك الفني: وزير يوسع عينيه حتى تأكلا نصف وجهه، وآخر يطيل أذنيه كأذني أرنب، وثالث يطيل لسانه حتى لا يحتويه الفم. تتعدد صور "المسخ" وتذكر بـ"التحولات" لأوفيديوس.
في مقدمته للرواية وجه جاد الشكر لدار روايات على صبرها ورهانها على هذا النص المجهد، قائلاً إنها وصفت الرواية بـ"فرسه" الذي تراهن معه عليه في هذا الإصدار الذي يأتي في سياق اهتمام متزايد بالأدب الأفريقي، بعد ترجمات سابقة لأعمال وا ثيونغو مثل "لا تبك أيها الطفل" و"حبة قمح".
في نهاية المطاف، لا تُعد "ساحر الغراب" مجرد رواية تُضاف إلى المكتبة، بل هي تجربة حياتية ودعوة مفتوحة للتحرر من قيود "العقل المستعمر". إن اقتناء هذه الملحمة في نسختها العربية الصادرة عام 2026، يعني امتلاك خارطة طريق أدبية لفهم تناقضات السلطة والهوية في عالمنا المعاصر. هي عملٌ يمنحك متعة الحكاية الشعبية المشوقة، وعمق الفلسفة السياسية الجادة، وبراعة لغوية استثنائية نجح أسامة جاد في نقلها بأمانة واقتدار. إنها باختصار، الكتاب الذي سيجعلك ترى الواقع بعيونٍ جديدة، وتدرك أن مواجهة الطغيان تبدأ أولاً باستعادة القدرة على الحلم والسخرية والتمسك بالجذور.