'ما اختلفنا' كوميديا سوداء تواصل تفكيك الواقع السوري
دمشق ـ يترقّب جمهور الدراما العربية، خلال موسم رمضان، عرض الجزء الثالث من المسلسل الكوميدي الاجتماعي "ما اختلفنا"، الذي استطاع خلال موسميه الأول والثاني أن يفرض نفسه كأحد أكثر الأعمال السورية حضورا على مستوى المتابعة الجماهيرية والنقاش النقدي، مستندا إلى طرح جريء ولغة ساخرة لامست هموم السوريين في مختلف أماكن وجودهم.
ويعود العمل هذا الموسم ليستكمل مشروعه الفني القائم على تقديم الواقع السوري بلغة ساخرة تمزج بين الكوميديا السوداء والطرح الاجتماعي والسياسي، دون الوقوع في المباشرة أو الوعظ، وهو ما جعله يحظى بقاعدة جماهيرية واسعة، خصوصًا بين فئة الشباب، إلى جانب اهتمام النقاد الذين رأوا فيه تجربة مختلفة ضمن سياق الدراما السورية.
ويتميّز المسلسل بصيغته الدرامية الخاصة، إذ يُقدم على شكل لوحات منفصلة متصلة، تتيح لكل حلقة أو مشهد تناول قضية مستقلة، مع الحفاظ على خيط عام يربط الشخصيات والسياق الاجتماعي. ومنحت هذه الصيغة صنّاع العمل حرية كبيرة في التناول، وسمحت للجمهور بالتفاعل مع قضايا متنوعة تعكس تفاصيل الحياة اليومية للسوريين داخل البلاد وخارجها، وتواكب التحولات الاجتماعية والنفسية التي فرضتها سنوات الحرب وما بعدها.
وأعلن المخرج السوري وائل أبو شعر استكمال تصوير الجزء الثالث، مؤكدا أن العمل سيحافظ على هويته الفنية التي أحبّها الجمهور، مع تطوير في الشكل والمضمون.
وقال في تصريح صحفي، "حرصنا في الجزء الثالث على ألا نفقد روح المسلسل، فالكوميديا في ما اختلفنا ليست هدفا بحد ذاتها، بل وسيلة لطرح أسئلة موجعة بطريقة ذكية، دون مباشرة أو خطابية".
وأضاف أبو شعر، أن التحدي الأكبر كان "الاقتراب أكثر من الواقع دون السقوط في التكرار، وتقديم لوحات قادرة على إضحاك المشاهد وإيلامه في الوقت نفسه"، مشيرا إلى أن النصوص كُتبت استنادًا إلى قصص حقيقية وتجارب معيشة، سمعها فريق العمل أو عاشها بشكل مباشر.
ويتضمن الجزء الثالث مجموعة من اللوحات الجديدة التي تتناول قضايا اجتماعية معاصرة، من بينها أزمة المعيشة، البطالة، الهجرة، العلاقات الأسرية المتوترة، الفساد بأشكاله المختلفة، إضافة إلى تأثير التحولات السياسية والاقتصادية على حياة الأفراد. وتُقدَّم هذه الموضوعات من خلال مواقف إنسانية بسيطة، لكنها محمّلة بدلالات عميقة، تجعل المشاهد يعيد التفكير في تفاصيل اعتاد المرور عليها يوميًا.
وتعتمد الأحداث على المزج بين الكوميديا والواقع الاجتماعي والسياسي، حيث تتقاطع السخرية مع الألم، ويجد المشاهد نفسه أمام مشاهد قريبة من يومياته، سواء كان داخل سوريا أو في بلدان اللجوء.
وتركّز بعض اللوحات على شخصيات تحاول التكيّف مع واقع جديد بعد الحرب، فيما تسلّط أخرى الضوء على صراع الذاكرة، والخوف من الماضي، ومحاولات التعايش مع حاضر متغيّر.
ويقدّم المسلسل صورة حيّة لمشكلات المجتمع السوري، عاكسا هموم الناس البسطاء ومعاناتهم اليومية، التي تتراوح بين الفقر وضيق الحال، وتآكل القيم، والتحديات الأسرية والنفسية. كما لا يغفل العمل عن تناول التناقضات الاجتماعية والفوارق الطبقية، والعلاقات الإنسانية التي تشكّلت تحت ضغط الأزمات، في مقاربة توازن بين النقد والسخرية والتعاطف الإنساني.
أحد كتّاب العمل أوضح أن "الجزء الثالث يذهب أبعد في تفكيك السلوكيات الاجتماعية، ويطرح أسئلة حول المسؤولية الفردية والجماعية، دون أن يدّعي امتلاك أجوبة جاهزة"، معتبرا أن قوة المسلسل تكمن في "ترك مساحة للمشاهد ليحكم بنفسه، ويجد انعكاسًا لتجاربه الخاصة".
وأشار صنّاع العمل إلى أن الاستمرار في اعتماد صيغة اللوحات المنفصلة المتصلة لم يكن خيارا تقنيا فقط، بل رؤية فنية. فهذه الصيغة تتيح تنوّع الموضوعات والشخصيات، وتُبقي العمل قريبًا من جمهور واسع ومتعدد الخلفيات، في ظل تغيّر ذائقة المشاهد العربي وسرعة إيقاع المتابعة.
ويُصوَّر المسلسل بين سوريا ولبنان، في ظروف إنتاجية صعبة، لكن فريق العمل يؤكد أن ذلك لم يؤثر على جودة الصورة أو الأداء، بل أضفى واقعية أكبر على بعض المشاهد المرتبطة بحياة السوريين في الخارج، خاصة تلك التي تتناول تجربة اللجوء والاغتراب.
وشارك في الموسمين الأول والثاني نخبة من نجوم الدراما السورية والعربية، من بينهم محمد خير الجراح، نادين تحسين بيك، جرجس جبارة، ديمة الجندي، فادي صبيح، نور علي، رنا شميس، وباسم ياخور، إلى جانب مجموعة من خريجي المعاهد الفنية.
وفي الموسم الثالث، ينضم إلى العمل عدد من الفنانين الجدد، من بينهم أحمد الأحمد، رشا بلال، بلال مارتيني، لويس قزق، ويارا خوري، في أدوار تحمل طابعا مختلفا وتضيف زوايا جديدة للطرح الدرامي.
وعبّر الفنان محمد خير الجراح عن حماسه للموسم الجديد، معتبرا أن "نجاح ما اختلفنا يعود إلى صدقه، فهو يشبه الناس ويتحدث بلغتهم"، مضيفًا أن الجزء الثالث "سيكون أكثر جرأة وعمقًا، ويحتوي على لوحات ستفاجئ الجمهور".
من جهتها، قالت نادين تحسين بيك إن مشاركتها في العمل تمثّل "تجربة مختلفة عن الكوميديا التقليدية"، مشيرة إلى أن "الضحك هنا مؤلم أحيانا، لكنه ضروري، لأنه يفتح باب النقاش حول قضايا نحاول تجاهلها".
أما باسم ياخور، فأكد أن العمل "يحمل مسؤولية كبيرة، لأن السخرية من الواقع ليست سهلة"، متوقعًا أن يثير الموسم الثالث "نقاشات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، كما حصل في الموسمين السابقين".
بدوره، رأى فادي صبيح أن "ما يميز المسلسل هو الجرأة في الاقتراب من تفاصيل حساسة دون تجميل أو تهويل"، معتبرا أن الجزء الثالث "يعكس مرحلة دقيقة يعيشها المجتمع السوري، ويقدّمها بصدق وبساطة".
ومع اقتراب عرضه، يبدو أن "ما اختلفنا" في جزئه الثالث يواصل الرهان على الكوميديا السوداء كأداة فنية لتفكيك الواقع السوري، واضعًا المشاهد أمام مرآة ساخرة، لكنها صادقة، تضحك بقدر ما توجع، وتفتح أسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة.

