في تجريم الاستعمار وتحطيم النفسية الكولونيالية..الجزائر نموذجا

المستعمر خرج من الأرض، لكنه ترك نُسخًا مصغّرة عنه في الوعي، تتكلم بلغته وتفكر بمنطقه وتدافع عنه باسم العقلانية والحداثة وتجاوز الماضي.

الاستعمار لا يحتاج اليوم إلى مدافع يكفيه عقلٌ متردد وذاكرةٌ مُخدَّرة ونخبةٌ تخاف تسمية الأشياء بأسمائها.

لقد خرج المستعمر من الأرض، لكنه ترك نُسخًا مصغّرة عنه في الوعي، تتكلم بلغته، وتفكر بمنطقه، وتدافع عنه باسم العقلانية والحداثة وتجاوز الماضي هذا هو الاستعمار في مرحلته الأخطر حين يتحول من احتلال جغرافي إلى بنية نفسية وثقافية.

قانون تجريم الاستعمار الفرنسي ليس تشريعًا انتقاميًا، بل فعل تحرر معرفي. هو كسر رسمي لهيمنة الرواية الكولونيالية، ووضع حدٍّ لما سماه فرانز فانون بقوله إن "أخطر ما يفعله الاستعمار هو زرع صورته في عقل المُستعمَر حتى يرى نفسه بعين جلاده"

هذا القانون، في جوهره، يعلن أن الجزائر لم تعد تطلب اعترافًا أخلاقيًا من فرنسا، بل تُصدر حكمًا تاريخيًا. والفرق شاسع بين من يستجدي الاعتراف ومن يُقنِّن الذاكرة. الطابور الخامس لا يحمل السلاح، بل المفاهيم. هو ذاك الذي يقول "دعونا نغلق الملف ويعني في العمق: دعونا نُبقي الجريمة بلا اسم"، هو من يطالب بالنسيان قبل العدالة وبالمصالحة قبل الحقيقة وبالمستقبل قبل تطهير الماضي من الكذب.

هنا نستحضر إدوارد سعيد حين قال إن "الاستعمار لا ينتهي بانسحاب الجيوش، بل حين تفشل روايته في إقناع ضحاياه". ولهذا، فإن أخطر المعارك اليوم ليست في المحاكم الدولية، بل في الجامعة، الإعلام والمناهج.

الأنثروبولوجيا، التي يُفترض أن تكون علم فهم الإنسان، استُعملت في السياق الكولونيالي كسلاح تصنيف. قِيسَت الجماجم، رُتِّبت الأعراق، صُنِّف الجزائري (موضوعًا) لا (ذاتًا). هذا ما جعل مالك بن نبي يحذر مبكرًا بقوله إن "الاستعمار لا يستمر بالقوة، بل بقابلية المستعمَر للاستعمار".

تحصين الأنثروبولوجيا اليوم يعني نزع هذا الحمض الاستعماري منها، وإعادتها إلى بعدها الإنساني والأخلاقي. لا علم بلا مسؤولية، ولا معرفة بلا عدالة. فالعلم الذي يُجرَّد من القيم، يتحول إلى أداة هيمنة ناعمة.

تجريم الاستعمار هو أيضًا تجريم العبث بالذاكرة. ليس من حق أحد أن يساوي بين الجريمة وتفسيرها، ولا بين القاتل وسرديته.القتل الجماعي ليس سياقًا تاريخيًا والتهجير ليس ضرورة سياسية ومحو اللغة ليس إدماجًا ثقافيًا.

الجزائر ليست دولة خرجت من رحم الاستعمار، بل أمة حاول الاستعمار اقتلاعها وفشل. كل خطاب يُلمّع تلك المرحلة هو إعادة استعمار رمزية، وكل صمت عنها هو مشاركة غير مباشرة في استمرارها.

قانون تجريم الاستعمار، إذا أُحسن توظيفه، يتحول إلى درع ثقافي يحمي الذاكرة وأداة سياسية تضبط الخطاب الرسمي ومرجعية تربوية للأجيال ومحرقة رمزية للنفسية الكولونيالية.

لكن الخطر كل الخطر أن يبقى القانون نصًا بلا مشروع.... فالتحرر الحقيقي لا يكتمل دون إصلاح معرفي، استقلال ثقافي، شجاعة نقد الذات دون جلدها وبناء دولة عادلة لا تستعمل الماضي قناعًا لفشل الحاضر كما قال عبدالرحمن بن خلدون "الظلم مؤذن بخراب العمران".

والظلم هنا ليس فقط سياسيًا، بل معرفي أيضًا: ظلم الذاكرة وظلم الحقيقة. هذا البيان ليس دعوة للكراهية، بل دعوة للوضوح، فهو هو أول أشكال العدالة.

ومن لا يسمي الجريمة جريمة، سيعيد إنتاجها بشكل آخر، وباسم آخر، وفي زمن آخر. الاستعمار جريمة والوعي السيادي فعل مقاومة والجزائر، إن حررت مفاهيمها، حررت مستقبلها.