سؤال المعنى في العالم العربي: من الحلم الجماعي إلى إدارة البقاء
تُعتبر مشكلة المعنى واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات العربية اليوم، حيث تتشكل أنماط التفكير والعيش تحت ضغط ظروف اجتماعية واقتصادية معقدة. تختلف هذه الأزمة جذريًا عما هو موجود في المجتمعات الغربية، حيث ترتبط أزمة المعنى بخيارات كثيرة تؤدي إلى حالة من الضياع والقلق. بالمقابل، في العالم العربي، تعود أزمة المعنى إلى ندرة الخيارات والضيق الذي يعيشه الأفراد في أفقهم المستقبلي.
يمر الإنسان العربي بمرحلة من الفراغ القيمي. في ظل غياب الأطر الاجتماعية التي تعزز العدالة وتضمن فرصة للعيش الكريم، يشعر الأفراد بأنهم محاصرون،و يشكل فقدان الثقة في المؤسسات الحكومية والمعنية بالإصلاح منعطفًا خطيرًا، حيث يتحول السؤال الأساسي حول المعنى من شعور جماعي إلى عبء فردي، يعكس حالة من العزلة والقلق المستمر.
عندما يصبح الهم اليومي للمواطن العربي هو كيفية تأمين لقمة العيش أو البحث عن عمل إضافي، أو التفكير في الهجرة كخيار لا بديل عنه، تتراجع الأسئلة الوجودية العميقة التي تتعلق بكيفية تحقيق حياة ذات قيمة. باستبدال سؤال "كيف نعيش حياة جيدة؟" بسؤال أكثر إلحاحًا وواقعية مثل "كيف نتفادى الانهيار؟"، تتأزم الروح الجماعية وتتقلص الآمال والطموحات.
هذا التحول لا يتمثل فقط في تغيير الأسئلة، لكنه يعكس أيضًا تغيرات سلوكية واجتماعية. تنشأ سلوكيات تُعرف بـ"سلوكيات النجاة"، حيث يُقاس النجاح بناءً على القدرة على البقاء وتجنب المخاطر، وليس على مدى تحقيق الأحلام أو الأهداف المشرقة. في هذه الظروف، تنهار الطاقة النفسية للأفراد، حيث تصبح النجاة حالة مستمرة ومتجددة من التحدي.
تحتاج المجتمعات العربية إلى التفكير في كيفية إعادة بناء المعنى والتواصل بين الأفراد. العائلة، وهي الكيان التقليدي الذي كان يشكل مصدر الأمان والمعنى، حين يصبح اليوم سلسلة من الحسابات :الايجار،المواصلات ،اسعاسعار الطعام ،يشعر الإنسان انه يستهلك نفسه في الصمود فقط . أحدهم يصف حياته بقوله "انا لا أعيش ، انا أدير نفسي كي لا أسقط "،قد تتحول في بعض الأحيان إلى مصدر ضغط واستنزاف للموارد النفسية. وكما يؤثر الدين في تشكيل قناعات الأفراد، يعاني من الضيق والاختزال في أدوار معينة، تتعلق بالتصحيح الاجتماعي أو الطمأنة الفردية.
بين العائلة والدين، يبرز دور وسائل التواصل الاجتماعي كحقل يمثل معضلة جديدة. في عالم يتنافس فيه الجميع لنيل الانتباه، تنخفض قيمة الإنسان إلى ما يُقاس من خلال عدد المتابعين أو الإعجابات. يبدو المعنى سطحيًا، قابلًا للاستهلاك السريع، لكن حالما تتوقف التفاعلات، يختفي الإحساس بالوجود والقيمة.
تشير أزمة المعنى في العالم العربي إلى ضرورة التفكير الجاد في كيفية صلاحية الحياة. ليست مجرد مشكلة فكرية أو ثقافية، بل هي تعبير عن أزمة شاملة تعكس بنية المجتمع. يجب معالجة هذا السؤال من خلال التركيز على خلق بيئات توفر آفاقًا قابلة للتوقع، وضمان العدالة، وفتح مجالات عامة تعزز التفاعل الإيجابي والشعور بالمشاركة. إن بناء معنى حقيقي وملموس يتطلب جهدًا مشتركًا وإرادة جماعية، مما يجعل هذا السؤال ملحًا أكثر من أي وقت مضى.