الاطار القانوني والسياسي لمجلس السلام

ثمة مصاعب تعترض عمل المجلس في ظل الظروف الدولية الضاغطة، رغم ثقل الولايات المتحدة الأميركية في إطلاقه.

لطالما كانت المنظمات الدولية والإقليمية وسيلة تلجأ إليها القوى الساعية لإرساء أهداف تعتبرها سامية، وطبعا في طليعتها الأمن والسلم، وعادة ما تكون في طليعة المنشئين دولة تتزعم ميزان قوة فرضته بعد حروب وأحداث أنتجت فواعل جديدة.

ومجلس السلام يشكل خارطة رسمتها الولايات المتحدة الأميركية في أعقاب التداعيات الأخيرة في الشرق الأوسط، إضافة إلى قضايا دولية أخرى متزامنة. وفي الواقع، نشأت فكرة المجلس في سبتمبر/أيلول 2025 بهدف إعادة إعمار قطاع غزة، فيما شكلت فكرة الانطلاق عبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعاد إطلاقه قانونياً وسياسياً وتنفيذياً خلال مؤتمر دافوس الاقتصادي المنعقد في سويسرا في يناير/كانون الثاني 2026، والذي كان للإعلان عن إنشاء المجلس وقع دولي ملفت بالنظر للمواقف التي رافقت الإعلان.

والمفاجأة في نص الميثاق أنه خلا من الإشارة إلى غزة، وهي السبب الرئيس في إطلاق التجمع، وجاء في مقدمة الميثاق الذي أُرسل إلى الدول المدعوة للمشاركة في المجلس أن "مجلس السلام منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها".

كما انتقد الميثاق المؤلف من ثماني صفحات "المقاربات والمؤسسات التي فشلت مراراً"، في إشارة واضحة إلى الأمم المتحدة، ويدعو إلى التحلّي بـ"الشجاعة من أجل الانفصال عنها". ويؤكد "الحاجة إلى منظمة سلام دولية أكثر مرونة وفعالية".

وسيكون الرئيس ترامب أول رئيس للمجلس، وبصلاحيات واسعة جداً، إذ سيكون وحده المخوّل دعوة قادة آخرين للانضمام إليه، وإلغاء مشاركتهم إلا في حال استخدام "حق النقض بأغلبية ثلثي الدول الأعضاء"، وله الحق في مراجعة كل الأصوات، وهي صلاحيات واسعة صعب مواجهتها، بخاصة أنها اقترنت بأغلبية موصوفة عمادها الثلثان.

وأضاف الميثاق أن كل دولة عضو تتمتع بولاية مدتها القصوى ثلاث سنوات من تاريخ دخول الميثاق حيّز التنفيذ، وقابلة للتجديد من جانب الرئيس. ولا تسري الولاية التي تبلغ ثلاث سنوات على الدول الأعضاء التي تدفع أكثر من مليار دولار نقداً إلى مجلس السلام خلال السنة الأولى التي تلي دخول الميثاق حيّز التنفيذ.

واعتبر الميثاق أن مجلس السلام هو منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني، كما سيتولى مهام بناء السلام وفق القانون الدولي، وبما يُقرّ بموجب هذا الميثاق، بما في ذلك تطوير ونشر أفضل الممارسات التي يمكن تطبيقها من قبل جميع الدول والمجتمعات الساعية إلى السلام.

وبخصوص العضوية، لا تسري مدتها البالغة ثلاث سنوات على الدول الأعضاء التي تسهم بأكثر من مليار دولار نقداً في مجلس السلام خلال السنة الأولى من نفاذ الميثاق، وتنقضي مدة الدولة بثلاث سنوات، فيما يمكن تجديدها من الرئيس. ويحق للدولة الانسحاب ضمن شروط، فيما يحق للرئيس عزل الدولة العضو مع مراعاة حق النقض (الفيتو) بأغلبية ثلثي الدول الأعضاء، وهي صعبة التحقق عملياً.

يصوّت مجلس السلام على جميع المقترحات المدرجة على جدول أعماله، بما في ذلك الميزانيات السنوية، وإنشاء الكيانات الفرعية، وتعيين كبار المسؤولين التنفيذيين، والقرارات السياسية الرئيسية، مثل الموافقة على الاتفاقيات الدولية، والسعي وراء مبادرات جديدة لبناء السلام.

يعقد مجلس السلام اجتماعات للتصويت مرة واحدة على الأقل سنوياً، وفي أوقات وأماكن إضافية يراها الرئيس مناسبة. ويضع المجلس التنفيذي جدول أعمال هذه الاجتماعات، مع مراعاة إخطار الدول الأعضاء وتعليقاتها، وموافقة الرئيس. ولكل دولة عضو صوت واحد في مجلس السلام، وتُتخذ القرارات بأغلبية أصوات الدول الأعضاء الحاضرة والمصوتة، مع مراعاة موافقة الرئيس، الذي يجوز له أيضًا التصويت بصفته رئيساً في حال تعادل الأصوات.

يتمتع الرئيس بسلطة إنشاء أو تعديل أو حل الكيانات التابعة حسبما تقتضيه الضرورة أو ما يناسبها لتحقيق مهمة مجلس السلام. ويعيّن الرئيس في جميع الأوقات خلفاً له، ولا يجوز استبداله إلا في حالة الاستقالة الطوعية أو نتيجة العجز، وذلك بموافقة بالإجماع من المجلس التنفيذي.

يختار الرئيس المجلس التنفيذي، على أن يتألف من قادة ذوي مكانة عالمية، على أن تكون العضوية لمدة سنتين، ويجوز للرئيس عزلهم وتجديد عضويتهم، كما له صلاحية ترشيح الرئيس وتعيينه.

يتمتع مجلس السلام وهيئاته التابعة بالشخصية القانونية الدولية، وله الأهلية القانونية اللازمة لممارسة مهامه. وينحل مجلس السلام في الوقت الذي يراه الرئيس ضرورياً أو مناسباً، أو في نهاية كل سنة فردية، ما لم يجدده الرئيس في موعد أقصاه 21 نوفمبر/تشرين الثاني من تلك السنة الفردية. ويبدأ نفاذ الميثاق بمجرد موافقة ثلاث دول على الالتزام به.

إن التدقيق في ظروف نشأة المجلس وطبيعة الصلاحيات المعطاة لرئيسه وآليات عمله ومؤسساته يظهر بشكل واضح قوة ونفوذ الولايات المتحدة الأميركية فيه، وهو أمر طبيعي نتيجة توازن القوى الذي فُرض مؤخراً، وكما يبدو في نصوص الميثاق، فهو محاولة لأن يكون بديلاً عن الأمم المتحدة، رغم الإشارة إلى العكس لجهة التعامل والتنسيق وغيرها.

والملفت أن التوقيع على معاهدته لم يتجاوز 35، فيما لوحظ امتناع غالبية الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا، مع ملاحظة الموقف الروسي المشروط بدفع المليار دولار وتخصيصه لإعادة إعمار غزة، علاوة على الرفض الصيني ودعوتها الواضحة للبقاء في إطار عمل الأمم المتحدة فيما يختص بالسلام وإنهاء النزاعات والحروب.

ثمة مصاعب تعترض عمل المجلس في ظل الظروف الدولية الضاغطة، رغم ثقل الولايات المتحدة الأميركية في إطلاقه، إلا أن مراجعة تاريخ المنظمات الدولية والإقليمية لم يكن مشجعاً، فالكثير من الأسباب تظهر لتعقيد أعمال المنظمة، سيما وأن المجلس وضع أهدافاً عالية السقف لجهة نشر السلام وإنهاء الصراعات في وقت تتفاعل فيه الظروف لتولد مشاكل إضافية لا تبشر خيراً في إخماد النزاعات والحروب.

لقد مرّ ثمانون عاماً على إطلاق الأمم المتحدة، ولم تتمكن في معظم القضايا الدولية من إيجاد حلول لها، فكيف يمكن النظر حالياً لأي تجمع وُلد في هذه الظروف المعقدة؟ ورغم ذلك، ينبغي أن يراودنا الأمل بالسلام والاستقرار والتنمية، ولو وسط بصيص أمل صغير.