رواية الحسد: سرديات النار الخفيّة من عطيل إلى كافاليروف
في دهاليز الذاكرة البشرية، حيث تتقاطع اللذة بالألم، والنجاح بالخطيئة، ولد الحسد لا كخطيئة أولى فحسب، بل كـ "راوٍ موازٍ" يسرد قصص المبدعين بلغته الخاصة: لغة العيون المشقوقة، والقلوب المعطونة بالمرارة.
وها أنا أمشي في معرض الرواية، أتلمّس السطور، فيطالعني وجه قابيل، منقوشًا في الملامح اللاحقة لأبطال كثيرين. كلهم كتبوا عن الحسد، كلٌّ بطريقته، لكنّ النار كانت واحدة، فقط ألوانها تغيّرت... لويليام شكسبير رواية غيرةٍ كبرى أُعدمتْ فيها الحقيقة: عطيل. في بلاط فينيسيا، حيث الحبّ يصعد سلّم الجمال، كان عطيل يزرع الورد لديسدمونا، لكن "ياغو" الحاسد الأبدي لم يحتمل هذا "الأسود النبيل" المتوّج بعاطفة بيضاء. ياغو لم يحمل سيفًا، بل سَرَدَ الكذب.
اخترع "قصة"، مجازًا قاتلًا، رواها بحبكة الحاسد: "انظر كيف تخونك… لأنها لا تستحقك". فعطيل، الشاعر المسكون بالثقة، انقلب إلى قاتل. وفي النهاية، كتب الحسد على جسد المرأة البريئة "ديسدمونا" ملحمته الدمويّة. الحسد ليوري أوليشا رواية صناعية على جسد روحانيّ. كافاليروف، الشاعر المتسكّع، يراقب أندريه بابيتشيف، رجل المصنع، بثيابه النظيفة وابتسامته الهادئة... لم يرتكب أندريه خطيئة، سوى أنّه يعمل.
عند كافاليروف، هذا وحده ذنب، كل ما يخترعه الآن هو ما يريد به تدمير "المشروع"، رمز العمل الجماعي، لكنه في الحقيقة يريد فقط أن يُطفئ ابتسامة خصمه. هنا، الحسد يخرج من دائرة النفس، ليُصبح مشروعًا أدبيًّا، فلسفيًّا، بل وحربًا ضد الحداثة. والجريمة والعقاب لدوستويفسكي: رواية ندمٍ فلسفيّ ومقبرة للكبرياء.
راسكولنيكوف، الفقير الحالم، لا يحسد امرأةً بعينها، بل يحسد فكرة التفوق الغنيّ. يقتل المرابية، لا لأجل النقود، بل ليُثبت أن الآخرين لا يستحقون الحياة أكثر منه. كلّ الجريمة تنبثق من عين الحسد، الذي يتخفى وراء الفكرة.
ثمّ يبدأ السرد الشعري الداخلي… تنهض سونيا، بوجهها الشاحب، تقرأ عليه التوبة، ويذوب قلبه مثل تمثال شمع أمام نار الفضيلة. الإخوة كارامازوف لدوستويفسكي: رواية صراع الغريزة والعقل، والميراث المسموم. إيفان يحسد إيمان أليوشا، ديمتري يحسد حرية غروشينكا، فيودور الأب يحسد شباب أبنائه… البيت كله مسكون بحكاية الحسد، يترنّح على إيقاعه.
الرواية هنا ليست رواية حسد فردي، بل رواية ميراث ممزوج بالغيرة والتنافس الدموي. كلّ فصل منها كأنه محاكمة أخلاقية. كلّ شخصية فيها تسرُد روايتها، وتكشف هشاشتها الداخلية، ويظل صوت دوستويفسكي الراوي الأعظم يقول لنا: من يحسد، يعجز عن المحبة.
"مدام بوفاري" لغوستاف فلوبير: رواية العطش الطبقي والتوق للجمال الممنوع. إيما بوفاري لا تحسد امرأةً واحدة، بل تحسد "الخيال الأرستقراطي"، صورة القصور، رقّة الحديث، أصابع البيانو، أحذية باريس. لم يكن الحسد هنا شعورًا مريضًا، بل نظام حياة. عاشت تمثّل ما تحسد، حتى انهارت.
الرواية تسرد نفسها بنبرة نثرية مشحونة: امرأة تهرب من واقعها بمساحيق التمنّي، ثمّ تموت مسمومة بحلم لم يُخلق لها. اللص والكلاب لنجيب محفوظ. سعيد مهران، يحسد الخائن لأنه أصبح مقبولًا. حين يخرج من السجن، لا يحسد أعداءه، بل يحسد "الكلاب" على استقرارهم. ي
حسد النظام الذي لم يَمنحه إلا الخيانة، ويحسد الجبناء لأنهم عاشوا بسلام. كلّ الرواية نشيد للعدالة المسروقة، والحسد فيها سلاح ثوري، يتحوّل إلى رصاص. سردية الحسد في جغرافيا الوطن: من المثقف إلى السياسي. في الجزائر، الراوي ليس كاتبًا فقط، بل هو أيضًا الحاسد والمُحسود والمحرّض. في كل جريدة، رواية مكتومة لحاسد يتخفّى في هيئة ناقد. في كل مهرجان، قصّة نجمة أُطفئت بفتوى "رداءة"، فقط لأنها سطعت دون إذن. في رواية مثقفينا، الحسد لا يُعبَّر عنه بالكراهية، بل بـ نقد ناعم، بكلمات منمّقة تُسكب فوق نجاح الآخر، كأنها مديح، لكنها في باطنها لعنة.
أما في السياسة، فالحسد يكتب الرواية الكبرى. كل جناح يحسد الآخر على قربه من المركز، وكل مركز يحسد ظلّه على الشعبية. الحقيقة: الرواية الكبرى لم تُكتب بعد. ما يزال الحسد هو "البطل الخفي" في سردياتنا، يتنكر كل مرة بوجه جديد.
وجه شاعر يُهديك ديوانًا ويطعن ظهرك بمقال، وجه سياسي يتحدث عن التنمية وهو يخشى نجاح نائب في بلدية، وجه أديب يحتفي بمبدع ثم يهمس: من كتب له هذا؟ الرواية الكبرى للحسد الجزائري لم تُكتب بعد. لكنّها تتسرّب من سطورنا، وتنفث سُمَّها في دواويننا، وتجلس على مقاعد الجوائز مبتسمة كأنها تقول لنا: أنا من يوزّع المجد، لا الموهبة. كأنها تقول: "أنا خيرٌ منه، خلقتني من نار وخلقته من طين".
هذه الجملة تعتبر البذرة الرمزية الأولى للحسد في التاريخ البشري؛ تُجسّد آلية إسقاط الشعور بالنقص على الآخر من خلال التقليل من شأنه. كل من يقول اليوم في شكل ما: "أنا أحقّ منه"، أو "أنا أفهم أكثر"، أو "هو لا يستحق هذا النجاح"، فإنه يردّد صدى هذه العبارة بصيغة عصرية.