مريم الزرعوني و'سنوات المغَر': حكاية تراب يداوي ويجرح
تُعدّ مريم الزرعوني واحدة من الأصوات الأدبية البارزة في المشهد الثقافي الإماراتي، حيث يتقاطع في تجربتها الإبداعية السرد الروائي مع الشعر وكتابة المقال الثقافي، إضافة إلى أدب اليافعين، في مسعى متواصل لطرح أسئلة الهوية والذاكرة والوجود. والزرعوني، العضو في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في الإمارات، تمتلك حضوراً فاعلاً في الحقل الأدبي بوصفها كاتبة تمتلك حساً لغويّاً شفيفاً وقدرة عالية على التجريب في الأشكال والأساليب. وقدّمت عبر أعمالها المتنوعة، من الرواية إلى أدب اليافعين والطفل والشعر، رؤية إنسانية تتكئ على التفاصيل اليومية وتستنطق الهامشي والمسكوت عنه في التجربة الإنسانية.
وتأتي روايتها "سنوات المغَر.. هوامش من سيرة الغريب"، الصادرة عن مشروع "قلم" التابع لمركز أبوظبي للغة العربية، لتؤكد نضج تجربتها السردية عبر نص يشتبك مع التاريخ المحلي والتحولات الاجتماعية بلغة مبتكرة تمنح الجمادات صوتاً، وتحوّل السيرة الفردية إلى مرآة لأسئلة الانتماء والاغتراب في المجتمع الخليجي. تقع الرواية في حوالي 223 صفحة، وتتناول رحلة شخصية تُدعى "غريب"، المولود في الشارقة خلال فترة تاريخية مفصلية في الخليج العربي، وهو يسعى لفهم هويته وإثبات وجوده في عالم منظّم بقواعد مجتمعية صارمة. وتتميز اللغة في الرواية بأسلوب سردي مبتكر، حيث تُستقدم الجمادات مثل الشجرة والصخرة والمرآة كأصوات فاعلة ومؤثرة في نسيج السرد.
في الرواية، لم تكن العناوين الداخلية مثل: "يوجعني اشتياقي يا جودي"، "كأني أراه الآن أمامي"، "الإنجليزي"، "العمة غاية"، "العالم من عل"، "السدرة الملاسية"، و"وقت الكسل".. إلخ، مجرد فواصل، بل عتبات دلالية ذكية؛ فالعنوان الفرعي "هوامش من سيرة الغريب" يضعنا أمام حقيقة أن البطل لا يملك "متناً" موثقاً في سجلات الدول، بل هو مجرد ملاحظات هامشية في تاريخ المنطقة. أما العناوين التي تحمل أسماء الشخوص مثل (جوديث، غريب، العمة غاية)، فهي تعكس "تعدد الأصوات"، حيث نرى مأساة غريب بعيون مختلفة: عين "جوديث" التي تمثل الآخر الشاهد والمحب، وعين "غريب" التي تمثل الذات المنكسرة، وعين "العمة غاية" التي تمثل ذاكرة الأرض والجذور. وتبرز عناوين الأمكنة المرتبطة بـ "المغَر" و"أبو موسى" كدلالة على الالتصاق العضوي بالتراب، محولةً الجغرافيا من مجرد إحداثيات إلى جروح روحية تنزف بلون أكسيد الحديد الأحمر.
تنساب أحداث الرواية لتنسج مرثية أدبية تتجاوز مجرد حكاية عن الشتات، لتصل إلى جوهر المحنة الإنسانية المتمثلة في فقدان اليقين بالانتماء. يبرز البطل غريب كشخصية تجسد هذا الضياع الوجودي، فهو رجل يحبس المعنى في صدره حتى يذبل ويصير هباءً، يقضي أكثر من ثلاثة عقود في تيه عجيب يتأرجح فيه بين الكويت والشارقة وبوشهر وجزيرة أبو موسى، باحثاً عن وثيقة تثبت كينونته في عالم لا يعترف إلا بالأوراق الرسمية. وتمثل فكرة "الصمت" محور حياته؛ فهو رجل أعمال بارع في فنون البيع والشراء ويتيقن أن لكل شيء ثمن، لكنه ظل غافلاً عن حقيقة أنه بلا هوية رسمية، ما جعل حياته تشبه "الحصير الهش" الذي تركه وراءه في وطنه الأول، تكاد خيوطه تنفرط مع كل ريح عابرة.
تتعمق الرواية في تشريح أزمة الهوية من خلال تقاطع الشخصيات؛ فتظهر جوديث، الممرضة الإيرلندية، كمرآة تعكس غربة البطل، فهي الغريبة القادمة من بلفاست التي تجد في "غريب" رجلاً يمتزج فيه الطيبة والبساطة بمرارة الاغتراب، ومن خلال حواراتهما يتضح أن الشوق للوطن ليس مجرد حنين للجغرافيا، بل هو فكرة تحاول مقاومة التآلف مع الواقع الجديد. وفي المقابل، يبرز الصراع العائلي كأحد أقسى تجليات هذه المأساة، حين ينكر الأخ الثري في الشارقة صلة الدم بأخيه الأكبر خوفاً على وجاهته ومصالحه، لتتحول آصرة الدم إلى ما يشبه مياه الصرف الصحي. هذا المشهد يطرح تساؤلاً فلسفياً حول قيمة الإنسان عندما يجرد من انتمائه العائلي والقانوني، وكيف يمكن للمال أن يمحو الذاكرة المشتركة.
ولا تكتمل مأساة غريب دون التوقف عند "مأزق الوالد"، ذلك الغائب الحاضر الذي وضع بصمته القدرية على مسار الرواية؛ فقد كان الأب ينتمي لجيل "البدايات الفطرية" الذي عاش ومات وهو يؤمن بأن الأرض لمن يحرثها والبحر لمن يركبه، غافلاً عن أن الزمن الجديد سيطالب أبناءه بأوراق لا يملكونها. مأزق الوالد يتمثل في تلك "الغفلة القدرية" التي أورثت غريباً "يُتماً قانونياً" قبل أن يكون يُتماً جسدياً. وتعمقت هذه المرارة حين رصد غريب بعيني الصبي انكسار والده تجارياً؛ فقد شهد ضياع مكانة والده وثروته نتيجة عدم قدرته على مجاراة تعقيدات القوانين الجديدة، وهذا السقوط للمظلة الحامية زرع في نفس غريب خوفاً دفيناً من الفقر و"اللا-مكان". لقد كانت أزمة الأب التجارية هي المحرك الذي دفع غريباً لاحقاً ليصبح تاجراً ناجحاً وناجياً ماديّاً بامتياز، ظناً منه أن المال هو "الصك" الكافي للانتماء، ليرمم "خزينة" العائلة بينما ظل عاجزاً عن ترميم "اسمها" في سجلات الوطن.
البنية السردية تتكئ على الرمزية المكثفة التي تمنح التفاصيل العادية أبعاداً أسطورية؛ فيمثل منجم "المغَر" وترابه الأحمر في جزيرة أبو موسى الجرح الذي لا يندمل، وعندما يمرغ غريب قدمه المجروحة فيه، فإنه يحاول رمزياً وقف نزيف روحه لا جسده فقط. كما أن البحر في الرواية ليس مجرد ممر مائي، بل هو مختبر للرجولة والألم، بدءاً من طقوس الختان الجماعية وصولاً إلى رحلات التهريب والترحال القسري. وتستخدم الرواية لغة شاعرية حزينة تستدعي الماضي عبر "الفلاش باك"، حيث تظهر العمة غاية كحارسة للجذور، مسترجعة طفولة غريب وأخته آمنة، ومصورة حالة "اللا-مكان" التي عاشاها منذ الصغر، ما يجعل القارئ يدرك أن الضياع لم يكن وليد الصدفة، بل قدراً تشكل ببطء عبر سنوات من التغاضي والهرب.
كما تطرح الرواية قضية العالقين بين الجنسيات بذكاء أدبي يبتعد عن المباشرة السياسية، مركزة على "الندم" الذي ينهش قلب البطل عندما يدرك أنه تهاون في إثبات هويته ظناً منه أن الأمر سهل، لكنه يكتشف في النهاية أن من يخذل نفسه في البداية لا يلومن إلا نفسه. وتتجلى براعة الزرعوني في ربط المصائر الشخصية بالتحولات الجيوسياسية للمنطقة، حيث تصبح جزيرة أبو موسى رمزاً للفقد الكبير، وتتحول المطارات ومكاتب التحقيق إلى مسارح للمهانة الإنسانية. إن غريب، رغم أوج مجده التجاري، يظل ممتلئاً بشعور الغربة حتى وهو مع زوجته، موحياً بأن الغربة الحقيقية هي غربة الروح التي فقدت مرساتها، وأن النجاح المادي ليس سوى قشرة خارجية تخفي بركاناً من الانكسار. وفي نهاية المطاف، تظل "سنوات المغَر" شهادة أدبية رفيعة على عصر التمزق، حيث يضيع الإنسان بين ضفتين: لا هو استعاد وطنه الأول، ولا وجد في منافيه الجديدة وطناً يمنحه الأمان والاعتراف، لتنتهي الرحلة كما بدأت بصمت يبتلع الحكايات ويحولها إلى رماد تذروه رياح الخليج الرطبة.
ويظل أبرز ما استوقفني في الرواية هو الكيفية التي استطاعت الزرعوني بها تحويل "الورقة الرسمية" من مجرد مستند بيروقراطي إلى أداة لتمزيق الوجود الإنساني؛ فالبطل غريب لا يفقد هويته أمام القانون فحسب، بل يفقدها أمام نفسه وأمام أقرب الناس إليه. وهناك نقاط محددة تركت أثراً عميقاً في القراءة التحليلية:
أولاً: تلك المفارقة الحادة بين النجاح المادي والضياع الوجودي؛ فغريب تاجر ناجح يمتلك القدرة على الإدارة والمناورة في الأسواق، لكنه يقف عاجزاً تماماً أمام إثبات ذاته، وهذا يطرح تساؤلاً فلسفياً حول قيمة "الفعل" مقابل "الوجود"؛ فكل ما بناه غريب من ثروة كان قائماً على رمال متحركة لأنه افتقد "الأصل" الذي يثبت حقه في الانتماء.
ثانياً: يبرز غدر "ذوي القربى" كأقصى درجات المغيب النفسي، فالمشهد الذي ينكر فيه الأخ شقيقه في الشارقة هو ذروة الألم، حيث تتجاوز الرواية قضية الهوية السياسية لتصل إلى "الهوية العائلية"، وعندما يصبح الأخ غريباً والمكان جاحداً، يتحول الشعور إلى نهاية للأمل، ويجسد هذا المشهد كيف تسحق المصالح والوجاهة أقدس الروابط البشرية.
ثالثاً: تتجلى رمزية "منجم المغَر" والتراب الأحمر من خلال لغة الجسد، وتحديداً عندما يضع غريب قدمه الجريحة في التراب الأحمر بطلبه من زوجته؛ هذه الصورة السريالية تلخص الحكاية بأكملها، فهو يحاول مداواة جرح حاضر بتراب من ماضٍ غائب. اللون الأحمر هنا مزدوج الدلالة، فهو دواء "المغَر" الطبيعي، وهو أيضاً لون النزيف المستمر في روح غريب الذي لم يتوقف طوال ثلاثين عاماً.
رابعاً: شكل وجود الممرضة الإيرلندية جوديث لمسة إبداعية ذكية، فهي ليست مجرد شاهدة، بل شريكة في الغربة، ومن خلال عينيها نرى غريب كمزيج من الطيبة والكتمان، فقد كانت جوديث ترى الغربة في عينيه حتى وهو في أوج نجاحه، مما يؤكد أن المنفى حالة نحملها داخلنا لا مجرد مكان نرحل إليه.
خامساً: تبرز فلسفة الكتمان حيث تصف الرواية غريباً بأنه رجل يجيد تحويل المعنى فلا يتكلم به، بل يسجنه في صدره حتى يبرد ويذبل ويصير هباءً. هذا الوصف هو المفتاح لفهم مأساة جيل كامل قد يفضل الصمت والاحتراق الداخلي على المواجهة، وهو ما يجعل القارئ يشعر بالأسى تجاه بطل كان بإمكانه تغيير مسار حياته بكلمة أو موقف، لكنه اختار حالة التواري والضياع قبل أن يفرضها عليه الواقع.
بالنهاية لم تكن مريم الزرعوني في "سنوات المغَر" تروي سيرة رجل ضاعت منه بوصلة الانتماء فحسب، بل كانت تشرّح مأساة جيل بأكمله وجد نفسه عالقاً بين ضفتين، يحاول التداوي بتراب الأرض من جراح خذلان البشر. إن قصة غريب هي مرآة لنا جميعاً؛ تنبهنا إلى أن النجاحات المادية مهما عظمت تظل هشة كالحصير أمام رياح الاغتراب، وأن الوطن في جوهره ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو ذلك اليقين الذي تمنحنا إياه (الورقة) حين تعترف بوجودنا، ويمنحنا إياه (الأخ) حين يفتح لنا ذراعيه. لقد صبغت الزرعوني بؤس بطلها بلون المغَر الأحمر، لتترك في ذاكرة الأدب الإماراتي نصاً يفيض بالصدق والمرارة، ويؤكد أن أقسى أنواع الغربة هي تلك التي تسكننا ونحن في عقر ديارنا.