حين يفرض الشارع الكردي واقعه السياسي… رسالة مفتوحة إلى الزعيم مسعود بارزاني
لم يعد الشارع الكردي مجرّد ردّ فعل على سياسات الإقصاء والتجاهل، بل تحوّل في الآونة الأخيرة إلى أحد العوامل القليلة القادرة على تعديل الخطاب الدولي، ولو جزئياً. ففي وقتٍ عجزت فيه المواثيق الدولية عن حماية أبسط حقوق شعبٍ كامل، فرضت المظاهرات السلمية المنتشرة من كردستان إلى أوروبا وأميركا واقعاً سياسياً جديداً لا يمكن تجاهله. هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، ولا ينبغي أن يُترك بلا أفق سياسي واضح.
لم يكن تغيّر الخطاب الدولي تجاه شمال وشرق سوريا وليد قناعة قانونية أو التزام أخلاقي، بل نتيجة ضغط متواصل فرضه الشارع الكردي في كردستان وتركيا وأوروبا والمهجر. فقد أثبتت التجربة أن السياسة الدولية لا تستجيب للحقوق بقدر ما تستجيب للكلفة.
لقد غيّرت المظاهرات اللغة، واللغة بدورها غيّرت الواقع. فقبل أشهر، كان الحديث لا يتجاوز عبارة "وحدة الأراضي السورية"، أمّا اليوم فقد باتت الصياغة أكثر واقعية "مناطق خاضعة للإدارة الذاتية مع وجود أمني سوري محدد". هذا التحوّل لم تصنعه طاولات التفاوض، بل شارع لم يصمت.
ورغم التزام الكرد بالمقاومة السلمية في معظم تحركاتهم، ولجوئهم إلى السلاح دفاعاً عن النفس فقط، بقيت حقوقهم رهينة حسابات المصالح الدولية. وقدّم إقليم كردستان العراق نموذجاً مستقراً وإنسانياً ضمن نظام فيدرالي، ومع ذلك لم يُستثمر هذا النموذج لحماية الكرد في تركيا أو سوريا أو إيران، حيث استمرّت الانتهاكات والتجاهل بلا رادع.
في المقابل، تكشف المواقف الدولية ازدواجية واضحة في المعايير، إذ تُغضّ الدول الغربية الطرف عن سجلّات معروفة، وتمنح شرعية سريعة لشخصيات لم تُفوَّض شعبياً، بينما يُطالَب الكرد دائماً بالصبر والانتظار وضبط النفس.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا تُمنَح الشرعية لمن يملك القوة، وتُؤجَّل لمن يملك الحق؟
إن الاستمرار في الشارع لم يعد خياراً رمزياً، بل ضرورة سياسية، لأن التجربة أثبتت أن الصمت لا يحمي الحقوق، وأن الخطاب الدولي لا يتغيّر إلا تحت الضغط، وأن الحقوق التي لا يُطالَب بها تُنسى.
وفي هذه اللحظة المفصلية، يحتاج الشارع الكردي إلى غطاء سياسي واضح. إن دعوة من الزعيم مسعود بارزاني، بما يمتلكه من شرعية وخبرة ومكانة دولية، لاستمرار المظاهرات السلمية المنظمة في كل أماكن وجود الكرد، من شأنها أن توحّد الرسالة، وتمنح الحراك بعداً سياسياً أوسع، وتمنع اختزال القضية في ردود أفعال متفرقة.
التاريخ لا يذكر من انتظر العدالة، بل من فرضها. والكرد اليوم أمام خيار واضح: إمّا شارعٌ مستمر يفرض واقعه السياسي، أو صمتٌ يُعيدهم مرة أخرى إلى الهامش.