رحيل سفير السينما المغربية محمد عهد بنسودة

الموت يغيب مخرجاً آمن بالسينما رسالة إنسانية، وترك في قلوب زملائه وأصدقائه أثراً لا يُمحى، وفي الذاكرة الفنية أعمالاً خالدة.

الرباط - ودّعت الساحة السينمائية المغربية، ببالغ الحزن والأسى، أحد أبرز مبدعيها، المخرج وكاتب السيناريو محمد عهد بنسودة، الذي وافته المنية الأربعاء، بإحدى المستشفيات بمدينة تولوز الفرنسية، عن عمر ناهز 57 سنة، إثر أزمة قلبية مفاجئة، وفق ما أكده عدد من المقربين وزملائه في الوسط الفني.

وبرحيل بنسودة، تفقد السينما المغربية واحداً من أبنائها الأوفياء، الذين آمنوا بالصورة بوصفها رسالة إنسانية، وبالفن جسراً للتواصل بين الثقافات، وراكموا تجربة إبداعية وإنسانية جعلت منه اسماً وازناً داخل المغرب وخارجه.

ونعى المركز السينمائي المغربي الراحل في بلاغ رسمي، معبّراً عن عميق أسفه لفقدان مخرج وكاتب سيناريو ترك بصمة خالدة في الذاكرة السينمائية الوطنية، ومتقدماً بأصدق عبارات التعازي والمواساة إلى أسرة الفقيد وذويه، وإلى الأسرة السينمائية الوطنية.

ومن جهتها، كتبت القناة الثانية أن السينما المغربية فقدت مبدع أفلام بارزة من بينها "موسم المشاوشة" و"خلف الأبواب المغلقة"، وهي أعمال رسخت حضور بنسودة كصوت سينمائي خاص ومتفرد.

وخلّف خبر الوفاة صدمة واسعة داخل الأوساط الفنية والثقافية. وكتب المخرج عبدالإله الجوهري، في تدوينة مؤثرة على حسابه بفيسبوك "عاش كبيراً ورحل كبيراً… أنعي لكم أخي وصديقي محمد عهد بنسودة. مات الرجل الطيب والمبدع المحارب، وسفيرنا في القارة الأفريقية، وصوتنا في العالم العربي، والمدافع عن الصورة المغربية الجميلة في أوروبا".

كما نعته الفنانة لطيفة أحرار قائلة "رحيل مفجع… الله يرحمك الصديق المخرج الراقي محمد عهد بنسودة"، فيما عبّرت الفنانة الزهراء الزرييق بكلمات شعرية عن ألم الفقد. وكتب المخرج رشيد الوالي "لم يكن عهد مجرد مخرج، بل إنساناً قبل الكاميرا… رحل الجسد وبقي الأثر".

ويُعد محمد عهد بنسودة من الأسماء التي راكمت تجربة متميزة في السينما والإنتاج التلفزيوني. خريج جامعة السوربون في الدراسات السينمائية، وحاصل على دبلوم في الإخراج والكتابة السينمائية بكندا، وقد قدّم خلال مسيرته أفلاماً قصيرة وطويلة حظيت بعروض دولية وجوائز مرموقة، من بينها "الشبح الراجع"، "ظل الذئب"، و"الردى" الذي نال جائزة المهر النحاسي بمهرجان فيسباكو بواغادوغو.

كما أخرج الشريط التلفزيوني الطويل "التهور" من إنتاج القناة الثانية، واشتغل في مجالات متعددة شملت الإخراج، الإنتاج، إدارة الإنتاج، كتابة السيناريو، والإعلانات التجارية، إضافة إلى الأفلام الوثائقية.

وشغل الراحل مناصب مهنية مهمة، من بينها المدير العام لأول وكالة للممثلين بالمغرب، وعضوية عدد من الهيئات السينمائية الوطنية والدولية، كما ترأس لجنة تحكيم المهرجان الدولي للفيلم الإفريقي في كان، وأدار شركة إنتاج أفلام، مؤكداً حضوره كفاعل سينمائي متكامل.

وعلى المستوى الدولي، شارك بنسودة كمساعد مخرج أو مدير إنتاج في عدد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية العالمية، من بينها أفلام لكلود ليلوش، وجوزيبي تورناتوري، ونيكولاس روغ، وروجر يونغ، وغيرها من الإنتاجات التي أكسبته خبرة واسعة ورسخت مكانته في المشهد السينمائي العالمي.

ويُعد فيلم "مطلقات الدار البيضاء" آخر أعماله السينمائية، وقد حقق صدى واسعاً في المهرجانات الدولية، ونال جائزتي الإخراج وأفضل إدارة للممثل في المهرجان الدولي للفنون والسينما بأثينا. ويقدم الفيلم رؤية اجتماعية جريئة لقضايا المرأة المغربية بعد الطلاق، مؤكداً انشغال بنسودة الدائم بالإنسان وهمومه.

وفي تصريحات سابقة لصحيفة "العرب اللندنية"، اعتبر الراحل أن السينما واجهة حية لصورة المغرب في العالم، ومختبراً حقيقياً لتسويق الثقافة المغربية، خصوصاً من خلال الحضور المتزايد للأفلام الوطنية في التظاهرات الدولية.

وبرحيل محمد عهد بنسودة، تخسر السينما المغربية فناناً أصيلاً، ومناضلاً سينمائياً جمع بين الاحتراف الإبداعي والإنساني، غير أن أعماله، ومواقفه، والأثر الذي تركه في زملائه وجمهوره، ستظل شاهدة على مسار حافل بالعطاء.