جماليّات السرد في 'قراءات في فنون الحكي'
كتاب "قراءات في فنون الحكي" للنّاقدة منية قارة بيبان (دار خريف للنّشر، ط1، تونس 2025)، تبحث فيه النّاقدة عن جماليّات الحكي مشافهة وكتابة، بالحفر في نصوص تنتمي إلى أجناس أدبية مختلفة، وفق مداخل للقراءة متنوّعةٍ. وقد استهلّته النّاقدة بتصدير لصوتين نقديّين هما سعيد يقطين وسعيد بنكراد، مما يشي بالمرجعيّة الحداثِيّة في علاقة النّص بالمتقبّل وما به تتحقّق لذّة القصّ، وهو مدار بحْثها.
في المقدّمة تذكير بأهميّة "الكلمة"/ الحكي، وقيمته في بناء ثقافة المتلقّي العربي من المشافهة إلى الكتابة. ثـــــمّ صنّفت النّاقدة المُتون الحكائيّة الّتي بحثت فيها، وفق معيار أجناسيّ، إلى خمسة أبواب؛ وإن أثبتت قراءتها التّقاطع الأجناسيّ أو ما سمّته "التّمرّد على الجنس الأدبيّ المتواضع عليه" في بعض النّصوص.
في الباب الأول، تتبّعت النّاقدة جماليّات الحكي في سِتّة نماذج روائيّة هي: "دفاتر الورّاق" لجلال برجس، "الكونبطا" لعبد الجليل الدّايخي، "يحدث أن نختار" لسعديّة بن سالم، "تراب سخون" لأميرة غنيم، "رغبة بيضاء" لوحيدة المـي، و"ليلة واحدة تكفي" لقاسم توفيق؛ لِتبْحث في "فنون الحكي" وتَصِلها بمرجعيّاتها ودلالاتها، من ذلك البحث في: ثنائيّة الغرائبي، الفانتاستيكيّ والواقعي، أو الاستلهام من الأسطورة في بناء المتون التّخييلية، وما نتج عن هذه التّقاطُعات من رسائل يتلقّاها القارئ العاديّ أو القارئ/ النّاقد القادر على فكّ شفرات النّصّ. وقد نبّهت النّاقدة إلى تفرّد رواية "تراب سخون" لأميرة غنيم بالمزاوجة في الحكي بين نصّ تراسُليّ سابق ونصّ تخييلي لاحق، كشفت قناعاً تلبسُه الشّخصيّات في الواقع (مثلاً: صفعة بورقيبة للماجدة، وهو رمز تحرير المرأة من التّسلّط الذّكوري).
في الباب الثاني، بحثت النّاقدة في جماليّات التّخييل الذّاتي بقراءة في مُؤلّفين متباعدين زمنِيّاً هما: "غيمات بيضاء... ما أبعدها" لعبد القادر بلحاج نصر، و"مالم يقله الشّاعر" للطفي الشّابّي؛ لتجِد أنّ "فنون الحكي" اقتضت حضور مسألتين أساسيّتين: "التّشظّي" الّذي يؤدّي من بين ما يؤدّيه من وظائف ما سمّته التّعبير "عن حرارة التّجربة الإنسانيّة"، ومسألة "الالتباس الأجناسيّ" الّذي تطرحه الكتابة في التّخييل الذّاتيّ بين الميثاق السير ذاتي المتَواضَع عليه، وما يقتضيه فضاء التّخييل من عدول عن المرجعيّ إلى توسيع فضاء المتن الحكائيّ حسب ما أكّدته النّاقدة باعتماد شواهد من المّدوّنة النّقديّة العالميّة والعربيّة.
في الباب الثّالث، بحث في جماليّات القصّة والأقصوصة من خلال مدوّنة شملت عنوانين للأزهر الزّناد هما: "مدينة المرايا" و"عبوة السّعادة"، ومجموعة قصصية بعنوان "مرفأ الحكايا" لرياض جراد، و"سوق النّساء" لعباس سليمان، و"الرّحيل إلى تسنيم" لمسعودة بوبكر. وفضلاً عن مبدإ التّقاطع بين الغرائبيّ والواقعيّ الّذي يُغذّي التّخييل في الحكي لِيُحقق لذّة النّصّ، وهو ما أكّدته النّاقدة في النّماذج المدروسة، بحثت عن تفرُّد الوصف في هذه المُتون بتجاوز الوظيفة الجماليّة إلى وظيفة إيديولوجيّة تُعلن عن انتظارات المُبدع من القارئ، وفق عقد قرائيّ جديد وجدته النّاقدة أكثر جلاء في المزاوجة بين الإبداعيّ التّخييليّ والنّقديّ في المتن الحكائيّ لعباس سليمان مثلاً؛ مزاوجة أدّت إلى الكشفِ عن منزلة الإبداع وشروطه بين القراءة الباحثة عن لذّة الحكي، وقراءة اللّجان الباحثة عن "الجودة" لاستحقاق الجوائز.
في الباب الرّابع، اشتغلت النّاقدة بالبحث عن فنون الحكي في محكِيّ السّفر من خلال تتبّع التّداخل بين المرجعي والتّخييلي، عبر الوصف الكاريكاتوري السّاخر في "جولة بين حانات البحر الأبيض المتوسّط" لعليّ الدّوعاجيّ، وكتاب "أجمل الفضائح" لحفيظة قارة بيبان، و"حقيبة وذاكرة" لمسعودة بوبكر. فأثبتت انبناء الحكي على تعدّد الرّوافد من أدب الرّحلة إلى العرض الوثائقيّ، إلى المقال الصّحفيّ فالحوارات التّسجيليّة... لتكون سيرة المكان رحلة المبدع في اتجاهات متنوّعة تحمله إليها هذه الرّوافد لِتنصهر هذه في "توليفة" لبناء جماليّة الحكي وتحقُّق متعة القراءة. فوجدت النّاقدة أن هذا التّقاطع بين النصوص السّابقة للتّخييل خلق جماليّة يختَصّ بها هذا النّوع من الكتابة الإبداعيّة: محكيّ السّفر.
في الباب الخامس، تبحث النّاقدة في نصّ من المدوّنة النّقديّة، وفي معايير الإبداع في الأدب المعاصر أمام سلطة الرّقمنة، ووضعِيّة التّلقّي التي تتداخلُ فيها انتظارات القارئ والنّاقد ولجان الجوائز. وتتساءل عن مدى صُمود ما يشْتَهِرُ من الإبداع المُنْتقى من لجان الجوائز والإعلام، وما يترسّخ في الذّائقة الجماعيّة دون هالة الجوائز، بل بفعل فتنة الحكي. تستدلّ على ذلك برُسوخ رواية الهادي التّيمومي "قيامة الحشّاشين" في ذاكرة القارئ والنّاقد رغم عدم نيلها جائزة البوكر... وتتبَنّى النّاقدة في قراءتها بعض ما ورد في كتاب "التّداخل الأجناسيّ في الأدب العربيّ المعاصر" لمحمّد آيت ميهوب، وتتتبّع مقتضيات الحكي المُستجدّة سواء بتأثير الرّقمنة أو الرّوافد المتأتّية من فنون أخرى كتقنيات الخطاب السينمائي، والوصف المستلهَم من المعطيات التّشكيليّة... وتنتهي إلى أنّ هذه "الحواريّة" أدّت إلى ما سمّته "تمرّد المبدع على نظريّات الحكي"، مـا أدّى وفق هذه القراءة إلى تطوير نظريّة الأجناس، رغم ما أشارت إليه من "هنات" سبّبتها سلطة الرّقمي في الثقافة المعاصرة وتأثيرها في بلاغة الخطاب الإبداعيّ.
الخاتمة: يقدّم كتاب "قراءات في فنون الحكي" جُملةً من المَداخلِ تنوّعت لتسْتجيب لثراء المُدوّنة المُنتقاةِ، شرَّحت النّاقدة فيها مفاصل النّصوص، بحثاً عن تقنيّات الحكْي التي تُوَلّد مُتعة القراءة، وذكّرت بنظريّات نقديّة حديثة تُعتَبر مرجِعاً لدراسة أشكال القصّ الحديث بكلِّ ما طرأ عليه ويطرأ من تحوّلات. ميزة هذه القراءات تحيين المعرفة العالمة وحسن توظيفها، وتطبيق ما ينسجِم منها مع الأجناس الأدبية؛ كتاب يطّلِع من خلاله القارئ على الأعمال الإبداعيّة من منظور نقدِيّ يُوسّع دائرة القراءة وآفاق التّقبل.