'متاهة' حكاية كويتية لامرأة تواجه ماضيها وتصارع الزمن القاسي
الكويت ـ يُعدّ المسلسل الكويتي "متاهة" واحدا من أبرز الأعمال الدرامية التي اختارت أن تسلك طريقًا مختلفًا، مبتعدة عن الإيقاع السريع والأحداث الصاخبة، ومقتربة بجرأة من العمق الإنساني والتحليل النفسي للشخصيات، فالعمل لا يراهن على المفاجآت المتلاحقة بقدر ما يراهن على التأمل، وعلى قدرة الدراما الهادئة على ملامسة مناطق حساسة في وجدان المشاهد.
ويقدم المسلسل حكاية درامية تبدو في ظاهرها تقليدية، لكنه يطرح في جوهره تجربة إنسانية مؤثرة تتناول فكرة الوقت، والندم، والفرص المؤجلة، وكيف يمكن لقرار واحد مؤجل أن يغيّر مسار حياة كاملة. وتتمحور القصة حول امرأة تُدعى "حياة"، تجد نفسها فجأة داخل متاهة معقدة من القرارات المصيرية، حيث يصبح الزمن خصمًا لا يرحم، وتتحول أيامها إلى سباق مؤلم مع القدر لإعادة ترتيب حياتها وحياة أسرتها قبل فوات الأوان.
تحكي الأحداث قصة حياة، وهي امرأة في منتصف العمر تبدو من الخارج مستقرة وناجحة. تعيش وسط أسرتها حياة هادئة ظاهريا، لكنها في الداخل تعاني اضطرابا نفسيا عميقا.
هذه الازدواجية بين الصورة الخارجية والواقع الداخلي هي ما يشكل جوهر المسلسل، فحياة تعيش متاهة نفسية لا تتجسد في مكان محدد، بل في مشاعر مكبوتة، وأخطاء لم تُصحح، وقرارات تم تأجيلها خوفًا من المواجهة أو خسارة الآخرين.
ومع تطور الأحداث، تكتشف حياة حقيقة صادمة تقلب موازين حياتها، وتجعلها تدرك أن الوقت لم يعد في صالحها، وأن ما كانت تؤجله لسنوات أصبح اليوم ضرورة لا تحتمل الانتظار.
من هنا تبدأ رحلة شاقة ومؤلمة، تحاول خلالها إصلاح علاقاتها الأسرية، ومواجهة ماضيها، وكشف أسرار ظلت مدفونة لسنوات. هذه الرحلة ليست مجرد محاولة للنجاة، بل هي سعي لإعادة تعريف الذات، والتصالح مع أخطاء الماضي قبل أن تُغلق الأبواب نهائيًا.
ويقدّم المسلسل هذه الرحلة بأسلوب بصري هادئ لكنه موجع، حيث تتراكم التفاصيل الصغيرة لتصنع صراعا كبيرا، وتتحول اللحظات اليومية العادية إلى نقاط تحوّل، وتصبح القرارات البسيطة ذات ثقل مصيري. هذا الأسلوب يجعل المشاهد شريكًا في التجربة، يشعر بثقل الخيارات وتبعاتها، وكأنه يسير داخل المتاهة مع البطلة.
وتُعد شخصية حياة العمود الفقري للعمل، وهي شخصية مركبة بامتياز تجمع بين القوة الظاهرية والانكسار الداخلي. فهي أم تسعى للحفاظ على تماسك أسرتها، وزوجة أخفت الكثير من مشاعرها تحت ستار الصبر، وامرأة دفعت ثمن اختيارات لم تكن دائمًا نابعة من رغبتها الحقيقية. يرصد المسلسل تحوّلاتها النفسية بدقة؛ إذ تمر بمراحل متعددة تبدأ بالإنكار، ثم الغضب، فالخوف، وصولًا إلى الندم، وأخيرًا محاولة التصالح مع الذات.
وفي تصريحاتها عن الدور، أكدت بطلة العمل ريم أرحمة، أن شخصية حياة كانت من أكثر الشخصيات التي استنزفتها نفسيًا، قائلة، "حياة تشبه كثيرًا من النساء اللواتي نراهن يوميًا. ليست ضعيفة، لكنها متعبة. تحمل أكثر مما ينبغي، وتصمت أكثر مما يجب، وهذا الصمت هو ما يصنع المتاهة. أصعب ما في الدور كان التعبير عن المشاعر التي لا تُقال، لأن الألم هنا داخلي وصامت".
وأضافت، أن كثيرا من المشاهد اعتمد على لغة الجسد والنظرات بدل الحوار، موضحة، "كان علينا أن نثق في الصمت، لأن الصمت أحيانا أبلغ من أي جملة مكتوبة".
وتلعب أسرة حياة دورا محوريا في تصاعد الأحداث، حيث تمثل كل شخصية جزءًا من المتاهة التي تعيشها البطلة. الأبناء يعانون من غياب الأم العاطفي رغم حضورها الجسدي، في حين يعيش الزوج حالة من التردد بين الحب والخذلان، متأرجحًا بين رغبته في الاحتواء وشعوره بالتهميش.
ووصف فيصل العميري الذي يجسد دور الزوج وصف العلاقة بأنها "معركة صامتة"، قائلا، "الشخصية لا تواجه زوجته بشكل مباشر، بل يختار الصمت، وهذا الصمت يتراكم حتى يتحول إلى جدار بينهما. العمل يسلط الضوء على كيف يمكن للحب أن يضيع ليس بسبب الخيانة أو الكراهية، بل بسبب عدم الكلام".
كما أشار عبدالله التركماني الممثلين الشباب المشاركين في العمل إلى أن المسلسل يعكس صراع الجيل الجديد داخل الأسرة، مضيفا، "نرى أبناء يعيشون مع أهلهم جسديا، لكنهم بعيدون نفسيًا. هذا الانفصال العاطفي هو أحد أهم محاور العمل، وهو شيء يعيشه كثيرون اليوم".
وتُقدَّم العلاقات الأسرية في "متاهة" بواقعية صادقة بعيدا عن المثالية، يكشف العمل كيف يمكن للصمت وسوء الفهم أن يتحولا مع مرور الوقت إلى حواجز صلبة تفصل بين أفراد البيت الواحد، وكيف تتراكم الجراح الصغيرة لتصنع شرخًا عميقًا.
على المستوى الفني، يعتمد المسلسل على إيقاع هادئ وتصوير يركز على التفاصيل، ما يمنح المشاهد مساحة للتأمل. الموسيقى التصويرية جاءت مكملة للحالة النفسية، حيث تعكس التوتر الداخلي للشخصيات دون مبالغة، فيما أسهمت الإضاءة في تعزيز الشعور بالعزلة والضيق الذي تعيشه البطلة.
وأكد مخرج العمل المخرج محمد دحام الشمري، أن الهدف لم يكن تقديم قصة مأساوية بقدر ما كان طرح سؤال إنساني: ماذا نفعل عندما نكتشف أن الوقت لم يعد كافيًا؟ وقال، "أردنا أن يشعر المشاهد أن المتاهة ليست فقط حياة، بل يمكن أن تكون متاهته هو. كلنا نؤجل أشياء نظن أن لدينا وقتًا لها".
ومع اقتراب الأحداث من ذروتها، تدرك حياة أن إصلاح الأسرة لا يتحقق بالسيطرة أو التضحية الدائمة، بل بالاعتراف، والصدق، والقدرة على قول "أنا أخطأت". هذه اللحظة تمثل ذروة النضج الدرامي للشخصية، حيث تتحول من امرأة تهرب من المواجهة إلى إنسانة تملك شجاعة الاعتراف.
في النهاية، لا يقدّم "متاهة" حلولًا جاهزة، بل يترك المشاهد أمام مرآة إنسانية تعكس هشاشته وخياراته المؤجلة. إنه عمل يدعو للتأمل في معنى الوقت، وقيمة المصارحة، وأهمية الإصغاء قبل أن تضيع الفرص. وبين الهدوء الظاهري والصراع الداخلي، ينجح المسلسل في تقديم تجربة درامية عميقة تؤكد أن أقسى المعارك هي تلك التي نخوضها داخل أنفسنا.


