حرب ترامب على العدالة الدولية تطال موظفي الأمم المتحدة
واشنطن - وصلت رسائل تحمل علامة "سري" كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى أكثر من 12 شركة أميركية ومنظمتين خيريتين في ربيع العام الماضي، محذرة من إدراج أسمائها في تقرير أممي "لمساهمتها في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية.
ومن بين هذه الشركات: ألفابت، أمازون، كاتربيلر، شيفرون، هيوليت باكارد، آي.بي.إم، لوكهيد مارتن، مايكروسوفت وبالانتير.
وأظهر تحقيق أجرته رويترز حول الحملة الأميركية ضد ألبانيزي والمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أن رسائلها أثارت قلقاً بالغاً لدى الشركات لدرجة أن اثنتين منها على الأقل طلبتا المساعدة من البيت الأبيض.
ورغم إصرار الأمم المتحدة على أنها تتمتع بحصانة دبلوماسية، فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب عقوبات على ألبانيزي "لكتابة رسائل تهديد" إلى الشركات، وحثت المحكمة الجنائية الدولية على فتح تحقيق.
وتستند نتائج تحقيق رويترز إلى مقابلات مع أكثر من 24 مسؤولاً في الولايات المتحدة والأمم المتحدة وموظفين في المحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى أفراد يخضعون لعقوبات. ووجدت رويترز أن إجراءات ترامب ضد ألبانيزي كانت ضمن أمر تنفيذي أوسع نطاقاً استخدمه لفرض عقوبات على قضاة ومدعين عامين في المحكمة، في حملة تهدف جزئياً إلى إحباط أي محاولات مستقبلية لمحاسبته أو محاسبة مسؤولين في إدارته على العمليات العسكرية الأميركية في الخارج.
ويندرج حالياً اسم ألبانيزي وموظفي المحكمة الخاضعين لعقوبات على قائمة عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية، التي تضم إرهابيين مشتبهاً بهم من تنظيم القاعدة وتجار مخدرات مكسيكيين وتجار أسلحة من كوريا الشمالية. وقالت ألبانيزي في مقابلة في مودينا في بلدها إيطاليا "هذا غير عادل وغير منصف ويعد اضطهاداً... أنا أعاقب بسبب عملي في مجال حقوق الإنسان".
وقالت إدارة ترامب إنها فرضت عقوبات على موظفين في المحكمة الجنائية الدولية بسبب محاولاتهم "غير المشروعة والتي لا أساس لها" للتحقيق في جرائم تقول المحكمة إن قادة إسرائيليين ارتكبوها في غزة وجرائم مزعومة ارتكبها أفراد من الجيش الأميركي في أفغانستان.
وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن ألبانيزي شجعت المحكمة على التحقيق مع شركات أميركية ومديرين تنفيذيين فيها بعد أن وجهت "اتهامات خطيرة ولا أساس لها" في رسائلها. وقالت الوزارة في بيان أعلنت فيه العقوبات "لن نتهاون مع هذه الحملات من الحرب السياسية والاقتصادية".
لكن رويترز وجدت انقسامات عميقة داخل الحكومة الأميركية حول نطاق وتوقيت العقوبات ضد ألبانيزي والمحكمة الجنائية الدولية. فقد وضعت خطة معاقبتهما في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عندما أعيد انتخاب ترامب ووجهت المحكمة اتهامات إلى حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وفي الوقت الذي حث فيه بعض الدبلوماسيين الأميركيين على ضبط النفس، ضغط مسؤولون كبار عينهم ترامب من أجل اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل عمل المحكمة الجنائية الدولية ومعاقبة ألبانيزي.
وبالإضافة إلى ألبانيزي، فرضت إدارة ترامب عقوبات على ثمانية قضاة وثلاثة مدعين عامين العام الماضي، في ضربة قوية للهيئات القضائية الدولية وهيئات حقوق الإنسان.
واستهداف المحكمة الجنائية الدولية وألبانيزي هو جزء من نهج ترامب في السياسة الخارجية القائم على السعي لتحقيق أهدافه بأي وسيلة ضغط. ففي الشهور القليلة الماضية، اعتقل رئيس فنزويلا وسجنه في نيويورك، وهدد بمهاجمة إيران بسبب عمليات القمع التي أسفرت عن سقوط قتلى في احتجاجات شعبية، وأثار أزمة داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو" بمحاولته إجبار الدنمارك العضو في الحلف على تسليم غرينلاند.
ويقدم صدام ترامب مع ألبانيزي والمحكمة الجنائية صورة جلية للتداعيات المؤسسية والشخصية لهجومه المتصاعد على الهيئات الدولية. ولطالما استخدمت واشنطن العقوبات لمعاقبة الدول المارقة وردع منتهكي حقوق الإنسان.
وقال ثمانية خبراء في العقوبات الأميركية إن استهداف خبيرة مفوضة من الأمم المتحدة والعديد من موظفي المحكمة الجنائية الدولية، منهم ثمانية من قضاتها الذين يبلغ عددهم 18، يمثل تطوراً خطيراً. فالأفراد والمؤسسات العالمية الذين كانوا في السابق يتلقون مجرد التوبيخ من الولايات المتحدة، يواجهون الآن محاولات لتعطيل عملهم أو تفكيك هذه المؤسسات إذا اعتُبروا تهديداً لترامب أو لمصالح الشركات الأميركية.
وتعود معارضة ترامب للمنظمات الدولية إلى ولايته الأولى، عندما انسحب من اتفاقية باريس وهي معاهدة دولية بشأن المناخ، وخفض التمويل التقديري لبعض وكالات الأمم المتحدة. واليوم، تدين واشنطن بأكثر من 2.1 مليار دولار من الرسوم الإلزامية للأمم المتحدة، وحذر الأمين العام أنطونيو غوتيريش في رسالة بتاريخ 28 يناير/كانون الثاني إلى الدول الأعضاء اطلعت عليها رويترز من أن المنظمة الدولية معرضة لخطر "انهيار مالي وشيك".
ويمضي ترامب الآن إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد أطلق مؤخراً ما يسمى بمجلس السلام الذي يهدف، تحت قيادته، إلى حل النزاعات العالمية، متجاوزاً الدور التقليدي للأمم المتحدة باعتبارها الهيئة الدبلوماسية الرئيسية في العالم. وانضمت إلى المجلس 20 دولة على الأقل، ولا توجد بينها، باستثناء الولايات المتحدة، أي قوى غربية كبرى.
وكانت العواقب على ألبانيزي وكبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية سريعة؛ إذ أُغلقت حساباتهم المصرفية وأُلغيت بطاقاتهم الائتمانية. وقالت ألبانيزي لرويترز إنها اضطرت إلى استعارة بطاقات من أصدقائها حتى تتمكن من السفر. وبعد أن تلقت تهديدات، شددت الأمم المتحدة الإجراءات الأمنية لها ولعائلتها. ولم يعد بوسع طفليها، البالغان من العمر 12 وتسع سنوات، التجول بحرية في الحي الذي تعيش فيه الأسرة في تونس. وقالت ألبانيزي "لا يمكنهما الخروج من المنزل كما اعتادا واللعب".
وقالت مارغريت ساترثوايت، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، إن العقوبات تمثل سابقة خطيرة. وأوضحت ساترثوايت، وهي أستاذة قانون بجامعة نيويورك "من المثير للصدمة أن ينظر إلى عمل شخص ما في مجال حقوق الإنسان على أنه خطير لدرجة أنه يعامل كإرهابي".
ونقلت رويترز في ديسمبر/كانون الأول عن مسؤول أميركي كبير قوله إن ترامب كان قلقاً من أن المحكمة الجنائية الدولية قد تسعى يوماً ما إلى ملاحقته أو ملاحقة أعضاء كبار في إدارته. وقال المسؤول إن الإدارة ستلجأ لفرض عقوبات إضافية إذا لم تعدل المحكمة نظامها الأساسي بما ينص صراحة على حظر أي تحقيقات تستهدف ترامب أو كبار مساعديه.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية تومي بيجوت إن الولايات المتحدة ترفض "نموذجاً عفا عليه الزمن من التعددية" ولن تشارك بعد الآن أو تمول المنظمات الدولية إذا رأت أنها تتعارض مع المصالح الوطنية الأميركية. وأضاف أن العقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية تظهر أن الولايات المتحدة "لن تتهاون مع أي محاولات لانتهاك سيادتها أو إخضاع مواطنين أميركيين أو إسرائيليين بشكل غير قانوني للولاية القضائية غير العادلة للمحكمة الجنائية الدولية".
ويمكن أن يؤدي هجوم ترامب على المحكمة إلى إضعاف إحدى الهيئات القليلة التي يمكنها محاسبة قادة نافذين، بمن فيهم أميركيون. ويقول بعض المحامين والدبلوماسيين إن العملية الأميركية في فنزويلا والهجمات القاتلة التي استهدفت مهربي مخدرات مزعومين في منطقة البحر الكاريبي قد تمثل انتهاكاً للقانون الدولي. غير أن المتحدث باسم الخارجية بيجوت وصف تلك الإجراءات بأنها عملية قانونية "محددة الأهداف لتطبيق القانون".
وقالت نانسي كومبس، أستاذة القانون الدولي في كلية وليام آند ماري للحقوق بولاية فرجينيا إن "العقوبات الأميركية ضد المحكمة الجنائية الدولية تمثل بوضوح محاولة لتقويض مؤسسة لطالما عارضتها إدارة ترامب... إنها جزء من رؤية إدارة ترامب الأوسع للعالم، والتي تقوم على أن الأمريكيين يستفيدون عندما لا يتقيدون بمجموعة من المعايير الدولية الضعيفة".
ونددت المحكمة الجنائية بالعقوبات الأميركية وتعهدت "بمواصلة تقديم العدالة والأمل لملايين الضحايا الأبرياء للفظائع في جميع أنحاء العالم". وفي مذكرات التوقيف الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، اتهمت المحكمة نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استخدام ما وصفته "بالتجويع كوسيلة من وسائل الحرب". وأسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة عن مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني منذ أن قتل مسلحو حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) 1200 إسرائيلي في هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ووصف نتنياهو مذكرات التوقيف بأنها "معادية للسامية" و"يوم أسود" للإنسانية، بينما قال غالانت إن محاولة إنكار حق إسرائيل في شن "حرب عادلة" ستبوء بالفشل. وفي الوقت نفسه، أصدرت المحكمة الجنائية مذكرة توقيف بحق محمد الضيف، قائد الجناح العسكري لحركة حماس، بتهمة القتل والتعذيب والاغتصاب واحتجاز رهائن وجرائم أخرى. وأسقطت المذكرة لاحقاً بعد أن أكدت حماس مقتل الضيف في غارة جوية إسرائيلية في يوليو/تموز 2024.
وفي ديسمبر/كانون الأول، فرضت واشنطن عقوبات على قاضيين آخرين في المحكمة. وتواجه المحكمة مشاكل أخرى أيضاً، فقد هزتها فضيحة تتعلق بالمدعي العام كريم خان، أول مسؤول في المحكمة تُفرض عليه عقوبات العام الماضي.
وبدأ خان إجازة في مايو/أيار الماضي وسط تحقيق تجريه الأمم المتحدة في مزاعم بسوء السلوك الجنسي، وهي اتهامات ينفيها خان. وفي حديثه لرويترز من منزله في لاهاي، قال إن القضاة والمدعين العامين والمسؤولين الآخرين كانوا "أهدافاً سهلة لدولة كبيرة تملك كل هذه القوة".
حملة أميركية
النهج العدائي الذي تتبناه إدارة ترامب تجاه المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة جزء من توجه أوسع للانسحاب من ملفات حقوق الإنسان عالمياً، سواء على صعيد الجهود الدبلوماسية أو المؤسسات. فقد قلصت الولايات المتحدة المساعدات الخارجية بشكل كبير، بما في ذلك المنح المقدمة للمدافعين عن حقوق الإنسان. كما انسحبت واشنطن من عشرات الهيئات التابعة للأمم المتحدة أو خفضت تمويلها لها بشكل حاد، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي.
تأسست المحكمة الجنائية الدولية في 2002 بموجب معاهدة دولية وتدعمها 125 دولة ليست منها الولايات المتحدة ولا الصين ولا إسرائيل. ورفضت الإدارات الأميركية المختلفة من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي أن تكون للمحكمة سلطة محاسبة الولايات المتحدة أو أي من حلفائها. وبدأت أولى خطوات ترامب ضد المحكمة في فبراير/شباط 2025 عندما أصدر أمره التنفيذي الذي يجيز فرض عقوبات تستهدفها، بدءاً من المدعي العام للمحكمة كريم خان.
ووفقاً لمقابلات مع ثمانية مسؤولين مطلعين، ناقش كبار مسؤولي وزارة الخارجية إلى أي مدى يمكن توسيع نطاق العقوبات المفروضة على المحكمة، وما إذا كان من الممكن فرض عقوبات على شخص لديه تفويض من الأمم المتحدة مثل ألبانيزي.
وفي 20 يونيو/حزيران، كتبت شيا لغوتيريش مجدداً، قائلة إن واشنطن اطلعت على مسودة تقرير ألبانيزي وإنها "مليئة بالخطاب التحريضي وبالاتهامات الباطلة". وكتبت السفيرة الأميركية أن ألبانيزي ارتكبت "أخطاء قانونية جوهرية" وشككت في أحقيتها في "أي امتيازات أو حصانات مزعومة" تتمتع بها بصفتها خبيرة في الأمم المتحدة.
لكن الأمم المتحدة رفضت ذلك. وقال دوجاريك لرويترز إن "موقف المنظمة الذي تم إبلاغه مباشرة لوزارة الخارجية الأميركية والذي تم الإعلان عنه مراراً هو أن السيدة ألبانيزي، فيما يتعلق بمهامها كمقررة خاصة، تتمتع بوضع قانوني وحصانة بصفتها خبيرة مكلفة بمهمة للأمم المتحدة".
وقالت ألبانيزي "من الواضح أن حصانتي الدبلوماسية لم تُحترم... المسؤولية عن ذلك لا تقع على عاتق الأمم المتحدة، بل على عاتق الدول الأعضاء لتقاعسها عن اتخاذ إجراءات حاسمة، لا سيما بلدي إيطاليا التي التزمت الصمت التام حيال هذه المسألة".
وقال بيجوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، إن المراسلات مع الأمم المتحدة "تطرقت إلى مطالبات بإقالة السيدة ألبانيزي من مهمتها"، ولم تتناول مسألة تمتعها بالحصانة الدبلوماسية. ولم ترد الحكومة الإيطالية على طلب للتعليق.
وفي الأول من يوليو/تموز، نشرت الأمم المتحدة تقرير ألبانيزي الذي اتهمت فيه شركات أمريكية كبرى بالتواطؤ فيما وصفتها بأنها "حملة إبادة جماعية إسرائيلية مستمرة في غزة". وقالت إن من بين الجرائم والانتهاكات التي ساهمت هذه الشركات في ارتكابها في الأراضي الفلسطينية المحتلة: الإبادة الجماعية، والتهجير القسري، والتجويع. وكتبت أن الشركات ومسؤوليها التنفيذيين قد يحاسبون جنائياً، بما في ذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ورداً على ذلك، حثت واشنطن غوتيريش علناً على إقالة ألبانيزي وحذرت من أن عدم فعل ذلك سيستدعي "إجراءات حاسمة" من جانب واشنطن. وبعد ثمانية أيام، في التاسع من يوليو تموز، فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها، مستندة إلى الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب ضد المحكمة الجنائية الدولية.
غضب شديد
تم تطبيق العقوبات على ألبانيزي بأثر فوري. فبعد أيام قليلة من فرضها، شاهدها مراسل لرويترز في العاصمة البوسنية سراييفو محاطة بحارسين شخصيين. ورغم غياب الحارسين في مودينا، قالت ألبانيزي إنها تلقت "بعض التهديدات الجسدية" منذ فرض العقوبات عليها، مما أدى إلى تشديد إجراءات تأمينها، ورفضت الكشف عن تفاصيل التهديدات. وتعيش هي وزوجها الإيطالي ماسيميليانو كالي، وهو خبير اقتصادي في البنك الدولي، في تونس منذ أكثر من أربع سنوات. وكانا قد أمضيا ثلاث سنوات في واشنطن العاصمة حيث كان كالي يعمل في البنك هناك. وأحجم كالي والبنك الدولي عن التعقيب.
وحرمت العقوبات الأميركية ألبانيزي من خدمات مالية أساسية؛ إذ قالت إن حسابها المصرفي في الولايات المتحدة مغلق حالياً، وإن العقوبات منعتها من فتح حساب في بلد آخر، بما في ذلك إيطاليا. وتم تجميد أصولها في الولايات المتحدة، والتي تشمل شقة في واشنطن قيمتها 700 ألف دولار تقريباً تملكها هي وزوجها. وبموجب القانون الأمريكي، لا يمكن بيع أو تأجير العقار في هذه الحالة.
والعقوبات الأميركية أداة فعالة للغاية، فلا تقتصر على تجميد الأصول في الولايات المتحدة فحسب، وإنما تمنع المستهدفين فعلياً من استخدام النظام المالي الأمييكي، وهو شبكة عالمية يمكنها عرقلة الوصول إلى الخدمات المصرفية في معظم دول العالم.
ويواجه الأميركيون والشركات والأجانب المقيمون بشكل قانوني في الولايات المتحدة غرامات باهظة أو أحكاماً بالسجن إذا قاموا بتمويل أو مساعدة أي أفراد خاضعين لعقوبات. ويمكن منع البنوك الأوروبية من التعامل بالدولار أو استبعادها من أنظمة الدفع الدولية، مما قد يوجه ضربة قاصمة لأعمالها.
"عازمون على المضي قدماً"
بعد ستة أسابيع من فرض العقوبات على ألبانيزي، استهدفت الولايات المتحدة في 20 أغسطس/آب موظفين آخرين في المحكمة الجنائية الدولية، وهما قاضيان أحدهما الكندية كيمبرلي بروست، واثنان من المدعين العامين.
وقالت وزارة الخارجية إنه تم فرض عقوبات على بروست لأنها "أصدرت حكماً يجيز للمحكمة الجنائية الدولية التحقيق في تصرفات أفراد من الجيش الأمريكي في أفغانستان"، وهو قرار اتخذته في عام 2020. لكن المحكمة قالت في العام التالي إنها ستركز على الجرائم التي يتردد أن طالبان وتنظيم الدولة الإسلامية ارتكباها وإنها ستعطي "أولوية أقل لجوانب أخرى" من التحقيق والتي تشمل اتهامات للقوات الأميركية بالتعذيب. وتقول بروست إنه "لا يوجد حالياً أي تحقيق جارٍ على حد علمي" بشأن تصرفات الولايات المتحدة في أفغانستان.
وأردفت تقول لرويترز "فوجئت إلى حد ما بفرض عقوبات عليّ بسبب شيء فعلته قبل خمس سنوات... خاصة وأن الهدف من العقوبات ليس العقاب، وإنما تغيير سلوكك وردعك. وبالطبع، لا ينطبق أي من ذلك عليّ"، لأن التحقيق مع القوات الأمريكية متوقف. وأضافت أنه بعد مسيرة طويلة قضتها في مجال العدالة الجنائية، كان إدراج اسمها على قائمة المتورطين في الإرهاب وجرائم خطيرة أخرى "أمراً صعباً جداً من الناحية النفسية".
وتواجه المحكمة صعوبات بالغة في تسيير عملها. وقالت أوليكساندرا ماتفييتشوك، رئيسة مركز الحريات المدنية في أوكرانيا (منظمة غير ربحية فازت بجائزة نوبل للسلام)، إن العقوبات تشكل "مشكلة عويصة" للتحقيقات التي تجريها المحكمة الجنائية الدولية في الحرب بين روسيا وأوكرانيا. وذكرت أن المحكمة تنظر في قضايا ترحيل روسيا لأطفال أوكرانيين وهجماتها على البنية التحتية المدنية، لكن "قدرات المحكمة المحدودة" بسبب العقوبات الأمريكية أخرت ما كانت تتوقع أن يكون مساراً جديداً من التحقيقات في مزاعم إساءة معاملة الأوكرانيين في السجون التي تديرها روسيا.
وفي سبتمبر/أيلول، تم استخدام أمر ترامب بشأن المحكمة من جديد، وهذه المرة لفرض عقوبات على ثلاث منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان كانت تزود المحكمة بأدلة على مزاعم انتهاكات إسرائيلية. وذكر شعوان جبارين، مدير مؤسسة الحق (إحدى هذه المنظمات)، أن الإجراءات أوقفت دفع رواتب 45 موظفاً، كما أجبرت المؤسسة على الاستغناء عن كاثرين غالاغر، محاميتها الأمريكية والمدعية السابقة في جرائم الحرب.
ولا تزال ألبانيزي تجاهر بمواقفها، وقالت أمام حشد في حفل "معاً من أجل فلسطين" الموسيقي بلندن في سبتمبر/أيلول "فلسطين ستكون حرة... الاستسلام ليس خياراً، ليس لدينا هذا الترف". وهي لا تزال في منصبها، وألقت كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك عن بعد من جنوب أفريقيا في أكتوبر/تشرين الأول بعد منعها من دخول الولايات المتحدة. وقالت لرويترز: "لن أتوقف عما أفعله... مستحيل".
ويختلف السياسيون والدبلوماسيون المعينون في إدارة ترامب في كثير من الأحيان بشأن الاستراتيجيات. وقال أحد الذين حضروا اجتماعاً عُقد في مارس/آذار ومصدر آخر مطلع على ما دار في الاجتماع إن مسؤولين في الخارجية الأمريكية بحثوا فرض المزيد من العقوبات ذات الصلة بالمحكمة، إذ دعا بعضهم إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية وفرض عقوبات محدودة على موظفين من المستويات الأدنى لدفع المحكمة إلى إسقاط التحقيقات بشأن غزة وأفغانستان.
وقال المصدر الذي حضر الاجتماع إن ديفيد ميلستين، المستشار الكبير للسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، اتهم المسؤولين بتعطيل تنفيذ أمر ترامب. وميلستين معارض للمحكمة الجنائية الدولية منذ فترة طويلة؛ ففي 2021، وصفها بأنها "مؤسسة سياسية فاسدة تعاني خللاً عميقاً" لأسباب منها "ملاحقتها لإسرائيل ظلماً". وأضاف المصدر نفسه أن ميلستين حث الإدارة الأمريكية خلال الاجتماع على فرض عقوبات على المحكمة بأكملها بغض النظر عن أي ردود فعل سلبية قد تواجهها الولايات المتحدة من الحلفاء الأوروبيين. وعند التواصل معهما عبر وزارة الخارجية الأمريكية، أحجم ميلستين وهاكابي عن التعليق.
وبصفتها مقررة خاصة للأمم المتحدة، لم تكن ألبانيزي على صلة بصورة رسمية بالمحكمة الجنائية الدولية. إلا أن عملها البارز بشأن غزة ودعمها للمحكمة جعلاها هدفاً رئيسياً آخر لمسؤولي ترامب. صارت ألبانيزي، المعروفة بنظارتها السميكة ذات الإطار العريض، بمثابة أيقونة عالمية بالنسبة لكثير من الفلسطينيين ومناصريهم. وتوقفت مقابلتها مع رويترز في أحد مقاهي مودينا عدة مرات بسبب مارة حرصوا على معانقتها أو مصافحتها وشكرها على تسليط الضوء على المعاناة في غزة.
وقالت ألبانيزي البالغة من العمر 48 عاماً "تسببت العقوبات الأميركية في حالة من التضامن ألمسها أينما ذهبت". وفي وقت لاحق، امتد طابور من الناس حول مبنى في مودينا كان من المقرر أن تلقي فيه كلمة. وتحظى ألبانيزي بإعجاب كثير من المدافعين عن حقوق الإنسان، بينما يكرهها مؤيدو إسرائيل. وانتقدها مسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عام 2024 على خلفية ما وصفوها بأنها تصريحات معادية للسامية، وذلك بعد تعليقها على منشور على (إكس) يقارن صورة لأدولف هتلر مع مؤيديه في 1933 بصورة لنتنياهو وهو يتلقى الترحيب من مشرعين أمريكيين.
تم تعيين ألبانيزي في 2022، وهي واحدة من أكثر من 80 خبيراً مستقلاً في مجال حقوق الإنسان مكلفين من الأمم المتحدة بالتحقيق في قضايا مثل التعذيب وحرية التعبير أو بمراقبة دول بعينها. ويكون تعيينهم من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لمدة لا تقل عن ست سنوات. وهم يعملون بدون أجر ولا يمثلون حكومات بلدانهم، ومصدر دخل ألبانيزي هو مؤلفاتها.
ورغم عدم وجود علاقة رسمية بين هؤلاء الخبراء والمحكمة الجنائية الدولية، قال ثلاثة خبراء سابقين وحاليين نالوا تفويضاً من الأمم المتحدة إن بإمكانهم تقديم تقارير تقصي الحقائق إلى المحكمة والاجتماع مع مسؤوليها واستخدام نفوذهم في مؤسسات ومنتديات دولية أخرى. ويمنحهم وضعهم في الأمم المتحدة حصانة دبلوماسية، وهو أمر بالغ الأهمية لأداء عملهم الذي غالباً ما يجعلهم هدفاً لشخصيات من أصحاب النفوذ.
وقالت أجنيس كالامار، المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة المعنية بحالات القتل خارج نطاق القضاء والتي ترأس حالياً منظمة العفو الدولية: "إذا أُلغيت الحصانة الدبلوماسية، فإن ذلك يعني تقويض مبدأ أساسي يقوم عليه النظام الدولي".
وقال مصدران مطلعان إن الحصانة الدبلوماسية كانت قضية محورية في نقاشات داخلية لمسؤولين أمريكيين خلال بحثهم فرض عقوبات على ألبانيزي. وفي الثاني من أبريل/نيسان، كتبت دوروثي شيا، القائمة بأعمال مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش للاستفسار عن الوضع الوظيفي الرسمي لألبانيزي داخل المنظمة، وذلك وفقاً لما ورد في رسالة لاحقة من شيا إلى غوتيريش.
وفي ذلك الوقت تقريباً، أرسلت ألبانيزي رسائل تم تصنيفها على أنها "سرية" إلى الشركات الأمريكية والمنظمتين الخيريتين. وتشير نسخة من الرسائل التي اطلعت عليها رويترز إلى أنها حذرت من إمكانية إدراجها في تقرير تعتزم تقديمه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة "للمساهمة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" من خلال دعمها غير المباشر للعملية العسكرية الإسرائيلية في غزة.
وفي بعض الرسائل، اتهمت ألبانيزي هذه الشركات بالمساعدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وحثتها على قطع العلاقات مع إسرائيل وحذرت المسؤولين التنفيذيين من احتمال انتهاكهم للقانون الدولي.
وأفاد ثلاثة مسؤولين أميركيين بأن شركتين على الأقل من الشركات التي تلقت رسائل ألبانيزي طلبتا المساعدة من إدارة ترامب.
وقال أحد المسؤولين إن الشركتين اشتكتا من رسائل ألبانيزي إلى "المجلس الوطني للهيمنة في مجال الطاقة"، وهو مكتب جديد استحدثه ترامب في البيت الأبيض لدعم وتطبيق سياسته في مجال الطاقة. ولم يتسن لرويترز تحديد هوية الشركتين، ولم يرد المجلس على طلب للتعليق تم تقديمه عبر البيت الأبيض.