انسحاب القوات الأميركية من ألمانيا يترك ثغرة دفاعية في أوروبا
برلين - تنظر برلين إلى تداعيات إعلان واشنطن الانسحاب المخطط له لخمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا، وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس أنه يتعين أن تحفز هذه الخطوة، الأوروبيين على تعزيز دفاعاتهم، لكن اثنين من كبار المشرعين الجمهوريين الأميركيين عبرا عن قلقهما، قائلين إنه لا ينبغي للقوات مغادرة أوروبا.
وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) الجمعة عن سحب القوات من ألمانيا، أكبر قواعدها الأوروبية، في ظل تصاعد التوتر بشأن حرب إيران والخلافات التجارية التي تزيد من تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وفي إطار القرار الأميركي، تخلت واشنطن أيضا عن خطة تعود لفترة ولاية الرئيس السابق جو بايدن لنشر كتيبة أميركية مزودة بصواريخ توماهوك بعيدة المدى في ألمانيا، وهي ضربة لبرلين، التي كانت تضغط من أجل هذه الخطوة كرادع قوي ضد روسيا.
وعبر السناتور روجر ويكر والنائب مايك روجرز، رئيسا لجنتي القوات المسلحة في مجلسي الشيوخ والنواب، عن "قلقهما البالغ". وأكدا على ضرورة عدم سحب القوات من أوروبا، بل نقلها شرقا. وقالا في بيان مشترك إن "تقليص الوجود الأميركي المتقدم في أوروبا قبل الأوان، وقبل استغلال تلك القدرات على نحو كامل، ينذر بتقويض الردع، ويرسل إشارة خاطئة إلى (الرئيس الروسي) فلاديمير بوتين".
وقال بيستوريوس إن الانسحاب الجزئي سيؤثر على الوجود الأميركي الحالي والذي يقدر بنحو 40 ألف جندي في ألمانيا. مضيفا "نحن الأوروبيون علينا أن نضطلع بمسؤولية أكبر عن أمننا... ألمانيا تسير على الطريق الصحيح" من خلال تعزيز قواتها المسلحة وتسريع شراء المعدات العسكرية إلى جانب تعزيز البنية التحتية.
ودعا ترامب إلى تقليص الوجود العسكري في ألمانيا منذ ولايته الأولى، وحث أوروبا مرارا على تحمل مسؤولية أمنها. لكنه صعد من حدة تهديده الأسبوع الماضي بعد مشادة كلامية مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي شكك في استراتيجية واشنطن للخروج من الشرق الأوسط.
وقال البنتاغون إن سحب القوات من المتوقع أن يكتمل خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر القادمة. ولم يحدد البنتاجون القواعد التي ستتأثر، ولا ما إذا كانت القوات ستعود إلى الولايات المتحدة أو سيعاد نشرها داخل أوروبا أو في أي مكان آخر. فيما صرح متحدث باسم حلف شمال الأطلسي إن التكتل يعمل مع الولايات المتحدة لفهم تفاصيل القرار.
وعبر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، الذي تسعى بلاده للحصول على ضمانات باستمرار الدعم الأميركي على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، عن قلقه إزاء هذه الانتكاسة الأحدث للحلف.
وكتب توسك على إكس السبت "أكبر تهديد للاتحاد عبر الأطلسي ليس أعداءه الخارجيين، بل التفكك المستمر لحلفنا. يجب علينا جميعا بذل كل ما يلزم لعكس هذا المسار الكارثي".
وتمثل خطط البنتاغون الضربة الأحدث لألمانيا من واشنطن، بعد أن قال ترامب إنه سيرفع الرسوم الجمركية على واردات السيارات من الاتحاد الأوروبي إلى 25 بالمئة، متهما التكتل بعدم الالتزام باتفاقية تجارية، في خطوة تهدد بتكبيد الاقتصاد الألماني مليارات الدولارات.
وتعهد أعضاء حلف شمال الأطلسي بتحمل قدر أكبر من مسؤولية دفاعهم. ولكن الميزانيات المحدودة والفجوات الكبيرة في القدرات العسكرية تعني أن تلبية الاحتياجات الأمنية الأوروبية ستستغرق سنوات.
وتسعى ألمانيا إلى زيادة عدد جنود الجيش الألماني (البوندسفير) في الخدمة الفعلية من 185 ألفا في الوقت الراهن إلى 260 ألفا، لكن البعض يطالبون وزير الدفاع بزيادة أكبر من ذلك ردا على ما يعتبرونه تهديدا روسيا متناميا.
وبلغ الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا، الذي بدأ في شكل قوة احتلال بعد الحرب العالمية الثانية، ذروته خلال ستينيات القرن الماضي، حين تمركز مئات الآلاف من العسكريين الأميركيين هناك لمواجهة الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.
ويشمل هذا الوجود قاعدة رامشتاين الجوية الضخمة ومستشفى لاندشتول، وكلاهما استخدمته الولايات المتحدة لدعم حربها في إيران، بالإضافة إلى صراعاتها السابقة في العراق وأفغانستان.
ويعني قرار البنتاغون مغادرة لواء كامل لألمانيا، وإلغاء نشر كتيبة صواريخ بعيدة المدى كان من المقرر نشرها في وقت لاحق من هذا العام. وكان من المقرر أن تشكل الصواريخ بعيدة المدى عنصر ردع إضافيا مهما ضد روسيا، في حين كان الأوروبيون يطورون صواريخ مماثلة بعيدة المدى بأنفسهم.
وكتب كريستيان مولينج مدير مركز أبحاث الدفاع الأوروبي (إي.دي.آي.إن.إيه)، على إكس "تحتكر الولايات المتحدة فعليا داخل حلف شمال الأطلسي" استخدام الصواريخ بعيدة المدى. ولهذا السبب، فإن هذا الأمر أكثر خطورة من الناحية العملياتية من مجرد عدد قوات".