'وش مرايه' حين تُصبح الوجوه اعترافا صامتا
لطالما ارتبطت فكرة تعدد الوجوه عبر الزمن بدلالات سلبية تحيل إلى التلوّن وعدم الوضوح، حتى أصبحت مرادفاً للنفاق والازدواجية. ولكن ماذا لو أعدنا النظر في هذه الفكرة؟ ماذا لو لم تكن الوجوه المتعددة سوى انعكاسا طبيعيا لتعقيد الإنسان وتفاعله مع الحياة؟
في معرضها الأحدث "وش مرايه"، تواصل الفنانة المصرية غادة إمبارك طرح هذا السؤال، ولكن هذه المرة من خلال تجربة بصرية أكثر نضجاً وخصوصية؛ حيث تشارك بمجموعة من الأعمال التي تنتمي إلى هذا المشروع الفني الذي بدأته منذ عام 2022، وواصلت تطويره عبر معارضها المختلفة.
يقام المعرض في "غاليري كليغ" بالشيخ زايد بالقاهرة، ضمن فعاليات الحدث الثقافي الفني "ن"، الذي يستعرض تجارب سبع فنانات احتفاءً بالحضور الأنثوي والتعبير والتفرد، ليحمل كل عمل فني صورة مختلفة من "ن"، لتتنوّع الأعمال ما بين أعمال فنية منفذة بتقنية الأكريليك على الكانفاس بأحجام متنوعة، ما بين الكبير والصغير، في محاولة لخلق حوار بصري متعدّد المستويات بين العمل والمتلقي يتيح له الاقتراب تارة والتأمّل من مسافة تارة أخرى.
تعتمد غادة إمبارك في هذه التجربة على الوجه الإنساني بوصفه ساحة مفتوحة للتعبير، فتقدم وجوهاً تحمل طيفاً واسعاً من المشاعر: بين ابتسامة وتجهم، رضا وتذمر، سماحة وتوتر، اهتمام واحتقار. وجوه تبدو للوهلة الأولى مألوفة، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات أعمق من التناقضات التي يعيشها الإنسان يومياً.
ولا تنظر الفنانة إلى هذه التعددية باعتبارها عيباً أخلاقياً، بل تراها ضرورة إنسانية؛ فكل وجه نحمله خلال يومنا قد يكون وسيلة للتكيف مع موقف، أو درعاً نحتمي به من قسوة، أو حتى محاولة للحفاظ على توازننا الداخلي وسط ضغوط الحياة.
ومن خلال مجموعة "وش مرايه"، تقترب الفنانة من فكرة الانعكاس أكثر من الازدواجية، حيث تبدو الوجوه وكأنها مرايا داخلية تعكس ما يدور في أعماقنا لا ما نظهره فقط. إنها دعوة صريحة للنظر إلى الداخل ومواجهة تلك النسخ المتعددة من أنفسنا دون خوف أو إنكار.
ورغم هذا التعدد، تظل هناك نقطة ثبات تؤكد عليها غادة إمبارك، وهي وجه الصديق الحقيقي؛ ذلك الوجه الذي لا يتغير، المليء بالمحبة والتفاؤل والرضا والمودة، والذي يمنح العلاقات معناها الأعمق بعيداً عن المصالح والحسابات.
لكن ماذا يحدث إذا تغيرت هذه المعايير؟ إذا تسللت الشروط إلى المشاعر واختلط الصدق بالمصلحة؟ هنا، كما ترى الفنانة، يفقد الوجه معناه الحقيقي ويتحول ببساطة إلى مرآة.
المعرض لا يقدّم إجابات بقدر ما يطرح أسئلة، ويترك للمتلقي حرية التأمل وإعادة اكتشاف ذاته في تلك الوجوه المعلقة على الجدران؛ فربما لا نرى فقط أعمالاً فنية، بل نرى أنفسنا كما لم نرها من قبل.