حمزة نمرة: الذكاء الاصطناعي يسرق روح الأغنية

الفنان المصري يحذر من أن ملايين الاستماعات لأغانٍ لم يكتبها إنسان ولم يشعر بها قلب.

القاهرة – لم يكن حمزة نمرة يلقي كلاماً عابراً حين وقف أمام كاميرا هاتفه ونشر مقطعا مصوّرا حمل في طياته ما يشبه صرخة استغاثة. الفنان المصري الذي طالما جعل من أغانيه جسرا  بين الروح والكلمة، وجّه تحذيرا صريحا وجريئا من موجة الأغاني المنتجة بالذكاء الاصطناعي، واصفا إياها بأنها تهديد وجودي للفن الإنساني الأصيل.

وأشعل التحذير جدلا واسعا في الأوساط الفنية والثقافية، وأعاد طرح أسئلة مصيرية حول مستقبل الإبداع والفنون في زمن الآلة.

واختار نمرة  عبارته و استعارته بعناية فائقة حين شبّه الذكاء الاصطناعي بـ'العنصر المشع'؛ شيء يلمع ويبهر في البداية، لكنه يحمل في داخله خطورة صامتة لا تظهر آثارها إلا بعد فوات الأوان. الصورة ليست مجرد بلاغة شعرية، بل هي تشخيص دقيق لظاهرة باتت تقلق كثيراً من المبدعين حول العالم.

ولا تعلن الأغاني المنتجة بالذكاء الاصطناعي عن نفسها، ولا تحمل تحذيرا مسبقا، ولا تترك أثرا واضحا يميّزها عن العمل البشري، بل تنزلق إلى قوائم الاستماع بهدوء، تحقق ملايين المشاهدات، وتُستهلك كما يُستهلك أي عمل فني حقيقي.

وهذا بالضبط ما يُقلق الفنان المصري نمرة: ليس الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، بل قدرته على الاختباء في ثوب الفن الحقيقي.

ما منح كلام نمرة ثقلا استثنائيا هو اعترافه الشجاع بأنه هو نفسه لم يكن بمنأى عن إغراء هذه التقنية. قال صراحةً، إنه استخدم الذكاء الاصطناعي في مراحل معينة من عمله، لا كبديل عن الإبداع، بل كمساعد للحصول على أفكار موسيقية، لكنه لاحظ شيئا مزعجا، كلما لجأ إلى الآلة، ضعفت ثقته في نفسه، وتآكلت روحه الإبداعية شيئا فشيئا.

هذا الاعتراف يضع نمرة في موقع مختلف عن كثير من المنتقدين الذين يرفضون التقنية من موقع الجهل بها أو الخوف منها. هو يتحدث من تجربة شخصية، وهذا ما يجعل تحذيره أكثر مصداقية وأبعد أثرا.

وتكشف إحصاءات منصات الموسيقى الرقمية الكبرى عن واقع لافت: أعمال موسيقية منتجة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، أو تلك التي تحاكي أصوات مطربين حقيقيين بدقة مذهلة، تحقق عشرات الملايين من الاستماعات شهريا.

ولا يملك المستمع العادي الأدوات اللازمة للتمييز، بل إن بعض المتخصصين أنفسهم يجدون صعوبة في ذلك.

وويرى نمرة في هذه الظاهرة تهديدا مزدوجا: من جهة، تتآكل الثقة بين الفنان وجمهوره حين يصبح المتلقي عاجزا عن معرفة ما إذا كان يستمع إلى إنسان أم آلة. ومن جهة أخرى، يُفتح الباب أمام انهيار منظومة الملكية الفكرية بأسرها، إذ تستطيع هذه التقنية استنساخ أسلوب أي فنان دون إذنه أو مقابل.

القضية التي فجّرها نمرة تتجاوز حدود التكنولوجيا لتصل إلى عمق التساؤلات الثقافية والفلسفية. ما الذي يجعل الفن فنا؟ هل هو الكمال التقني، أم هو ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الأغنية بتجربة إنسانية حقيقية، بجرح لم يندمل، بفرحة عاشها أحدهم في لحظة لا تتكرر؟

ويقول نمرة، إن الموسيقى ليست معادلات رياضية أو ترددات صوتية محسوبة، بل هي إنسان يقف أمامك عارياً من كل أقنعته، يحمل مشاعره وأوجاعه وبهجته ويمدها إليك.

وبهذا المعنى، فإن الصوت البشري، بكل نبراته غير المثالية وارتجافاته العاطفية، هو ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي تقليده حقا، حتى حين يبدو وكأنه نجح في ذلك.

ولا يطالب نمرة بحرق التكنولوجيا، ولا يدعو إلى العودة إلى الكهوف. دعوته أكثر دقة وأعمق رؤية: يطلب من الفنانين العرب أن يتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي بوعي نقدي، وأن يرفضوا الانجراف وراء سهولة الحلول الجاهزة التي تعفيهم من ألم الإبداع الحقيقي، لأن ذلك الألم هو ثمن الأصالة.

في نهاية المطاف، حمزة نمرة لا يخاف من الآلة. هو يخاف من الفنان الذي يتخلى عن نفسه طوعا.