بين هرمز وزنغزور، أين ستشتعل الحرب القادمة؟
لم يعد القوقاز مجرد نزاع حدودي تقليدي بين أرمينيا وأذربيجان بل تحول إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح روسيا وتركيا وإيران والاتحاد الأوروبي، وفي لحظة دولية تتسم باضطراب غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا يبرز هذا الإقليم كمرشح حقيقي ليكون نقطة الاشتعال التالية ولكن بشروط أكثر تعقيداً حيث تُختبر هناك قدرة القوى الكبرى على إدارة حروب الممرات في قلب أوراسيا.
جوهر الصراع اليوم يتجاوز جغرافيا ناغورنو كاراباخ فمنذ عام 2020 استعادت أذربيجان مساحات واسعة بدعم عسكري وتقني تركي مباشر ما غيّر ميزان القوى جذرياً الأرقام هنا هي التي تكشف عمق التحول الاستراتيجي، إذ رفعت أذربيجان إنفاقها العسكري إلى ما يقارب 4 مليارات دولار سنوياً مستفيدة من عائدات الطاقة، بينما لا يتجاوز الإنفاق الأرميني 1.5 مليار دولار في أفضل التقديرات.
هذا الفارق لا يعكس فقط توازناً تقليدياً بل يؤكد تحول الحرب من صراع محلي إلى معادلة مدعومة بموارد سيادية وضعت أرمينيا في موقع دفاعي هش سياسياً وعسكرياً. إن الأهمية الحقيقية للقوقاز لا تكمن في حدوده بل فيما يتدفق عبره، خط أنابيب (باكو–تبليسي–جيهان) الذي ينقل مليون برميل نفط يومياً وممر الغاز الجنوبي يمثلان اليوم شرايين سيادة لأوروبا الساعية لفك الارتباط الطاقوي بروسيا. أي اضطراب في هذه المنطقة يعني عملياً اهتزاز أمن الطاقة الأوروبي وارتفاعاً فورياً في الأسعار العالمية، ولفهم خطورة المشهد لا يمكن فصل القوقاز عن سياق أوسع يبدأ من الخليج العربي، ففي مضيق هرمز، حيث يمر 20% من تجارة النفط العالمية تخلق أي توترات ضغطاً يدفع الأسواق للبحث عن بدائل آمنة وهنا ترتفع القيمة الجيوسياسية للقوقاز.
نحن أمام معادلة مترابطة.. هرمز يضغط، القوقاز يرتفع والأسعار تشتعل، إذا تعطل هرمز تحول القوقاز من خيار إضافي إلى خيار استراتيجي حاسم.
وهنا تبرز العقدة الأخطر.. ممر زنغزور، هو ليس مجرد طريق بري بطول 45 كيلومتراً يمر عبر إقليم سيونيك الأرميني ليربط أذربيجان بنخجوان ومنها إلى تركيا بل هو مشروع جيوسياسي عابر للقارات. بالنسبة لأنقرة هو تحقيق لحلم الممر التركي نحو آسيا الوسطى ولبروكسل هو ممر تجاري بعيد عن السطوة الروسية وللصين هو حلقة ضمن مبادرة الحزام والطريق، لكن لهذا الممر وجهاً آخراً أكثر خطورة فأرمينيا تراه تهديداً لسيادتها إذا فُرض بصيغة خارج السيطرة وإيران تعتبره تهديداً وجودياً يقطع صلتها البرية بالشمال ويقلص دورها كممر إقليمي ولذا أعلنت طهران صراحة أن تغيير الحدود الجيوسياسية هو خط أحمر.
الأهمية الأمنية لزنغزور تتجاوز الاقتصاد، فمن يسيطر عليه يتحكم بحركة الطاقة في أوراسيا ويملك قدرة التأثير الاستخباراتي في مناطق نفوذ الكبار.. تركيا تدفع بقوة، روسيا تراقب بحذر وإيران مستعدة للتصعيد، ما يحول المشروع من فرصة اقتصادية إلى صاعق تفجير.
وبالنسبة للشرق الأوسط، وبالأخص العراق، فإن هذه التحولات تضعه أمام تحدٍ مصيري، فالعراق الذي يعتمد على هرمز لتصدير نفطه قد يجد نفسه في فخ الهشاشة إذا تحولت بوصلة الطاقة نحو القوقاز ما يفرض عليه إعادة التموضع في خارطة النفوذ الجديدة.
في هذا السياق، يقف إقليم كردستان أمام مفترق استراتيجي صامت، فالإقليم المرتبط عضوياً بمنظومة الطاقة المارة عبر تركيا سيتأثر مباشرة بإعادة رسم طرق النقل، ومع توسع صادرات أذربيجان نحو أوروبا تبرز منافسة صامتة على الأسواق.
إقليم كردستان اليوم مدعو لإعادة قراءة موقعه، فإما أن يُدمج كحلقة مكملة ضمن الممر الأوسط، أو يجد نفسه خارج شبكة التجارة العالمية في لحظة يعاد فيها رسم الخرائط بالمسطرة العسكرية.
الخلاصة أن القوقاز لا يسير نحو نسخة مكررة من أوكرانيا بل نحو نموذج صراع أكثر تشابكاً، صراع تتحكم فيه الأنابيب بقدر ما تتحكم فيه الجيوش وتُرسم حدوده في غرف الطاقة بقدر ما تُرسم على الخرائط العسكرية.
وفي عالم يختنق بين مضيق هرمز ومرتفعات القوقاز يقف ممر زنغزور ليس كمشروع طريق بل كخط فاصل بين عالمين، عالم تُرسم فيه خرائط التجارة بهدوء وآخر تُرسم فيه بالنار، والسؤال الحقيقي لم يعد أين ستشتعل الأزمة بل من هو المهندس الاستراتيجي الذي سيملك القدرة على دفع ثمن إعادة رسم هذا العالم؟