أزمة هرمز تكشف هشاشة الاقتصاد العراقي وتُفاقم المخاوف

خبير اقتصادي ينبه إلى أن الفائض المالي يكفي لتغطية الرواتب لمدة خمسة أشهر فقط في حال انقطاع أو تراجع الإيرادات النفطية بشكل حاد.

بغداد - لم تكشف أزمة مضيق هرمز عن هشاشة الاقتصاد العراقي فحسب، بل أعادت إلى الواجهة سؤالا ظل العراقيون يطرحونه منذ أكثر من عقدين: ماذا فعلت الحكومات المتعاقبة بثروات النفط الهائلة التي تدفقت على البلاد دون أن تنجح في تنويع الاقتصاد وجعله قدرا على الصمود أمام الأزمات؟

وتعيد أي اضطرابات تطال أسواق الطاقة العالمية العراق إلى نقطة الصفر، وتضع ملايين المواطنين أمام مخاوف تتعلق بالرواتب وقيمة العملة ومستوى المعيشة، في مشهد يعكس عمق الفشل في معالجة ارتهان الدولة الكامل للنفط.

ونقلت "شفق نيوز" عن الخبير الاقتصادي زياد داوود تحذيرات رسم من خلالها صورة قاتمة لمستقبل الاقتصاد العراقي في حال استمرار اضطراب أسواق النفط أو تعرض صادرات الخام لأي انتكاسة، مؤكدا أن البلاد باتت أكثر اعتمادا على النفط مقارنة بأزمات سابقة عاشتها في 2008 و2014 و2020.

ولم ينجح العراق الذي يمتلك واحدا من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم طوال سنوات الوفرة في بناء قطاعات إنتاجية بديلة، سواء في الصناعة أو الزراعة أو السياحة أو التكنولوجيا، ما جعل اقتصاده رهينة لتقلبات السوق العالمية.

ويعتمد البلد العضو في منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوك" على الخام لتمويل أكثر من 90 بالمئة من إيرادات الدولة، بينما بقي القطاع الخاص ضعيفا وعاجزا عن خلق فرص عمل حقيقية تستوعب ملايين الشباب الداخلين سنويا إلى سوق العمل. وفي المقابل توسعت الحكومات المتعاقبة في التوظيف داخل القطاع العام واستخدام الرواتب كأداة لامتصاص الغضب الاجتماعي وكسب الولاءات السياسية، دون خلق اقتصاد مستدام.

ويرى خبراء أن هذه النموذج الريعي جعل الدولة العراقية تتحول إلى ما يشبه "آلة توزيع رواتب"، فيما تراجعت الإنتاجية وتعمقت البيروقراطية وازدادت معدلات الفساد والهدر المالي. ومع كل انخفاض في أسعار النفط يعود الحديث عن العجز المالي وخطر الاقتراض أو خفض قيمة الدينار أو تأخير الرواتب.

وتكشف الأرقام التي قدمها الخبير الاقتصادي حجم الهشاشة؛ فبرغم امتلاك البنك المركزي احتياطيات تقارب 100 مليار دولار، فإن الجزء القابل للاستخدام فعليا لا يتجاوز 25 مليار دولار بعد اقتطاع الغطاء المطلوب للحفاظ على استقرار العملة. ومع وصول فاتورة الرواتب والمعاشات إلى أكثر من 64 مليار دولار سنويا، فإن قدرة الدولة على المناورة تبدو محدودة للغاية إذا تعرضت الإيرادات النفطية لصدمة كبيرة.

وتعني هذه المعادلة أن العراق قد يجد نفسه خلال أشهر قليلة فقط أمام خيارات قاسية، تبدأ من الاقتراض الداخلي والخارجي ولا تنتهي عند احتمال خفض قيمة العملة، وهي خطوات ستكون كلفتها الاجتماعية مرتفعة على المواطنين، خاصة أصحاب الدخل المحدود.

ويخشى مراقبون من أن يتحول أي اضطراب طويل في هرمز أو أي تراجع حاد في أسعار النفط إلى أزمة معيشية مباشرة داخل العراق، حيث سترتفع الأسعار وتتراجع القدرة الشرائية وتتزايد معدلات البطالة والفقر. وغالبا ما يكون المواطن العراقي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ يتحمل تبعات الفساد وسوء التخطيط وغياب الرؤية الاقتصادية.

ويرى اقتصاديون أن العراق أضاع فرصا تاريخية لتنويع اقتصاده، خصوصا أنه يمتلك إمكانيات كبيرة في الزراعة والصناعات التحويلية والنقل والخدمات، لكن غياب الاستقرار السياسي وتفشي الفساد وتضارب المصالح الحزبية حالت دون تنفيذ إصلاحات حقيقية.