الحرب على إيران تضع 'بريكس' أمام اختبار التماسك
نيودلهي - فشل وزراء خارجية دول مجموعة "بريكس" في التوصل إلى بيان ختامي مشترك خلال اجتماعهم في نيودلهي، في مؤشر واضح على عمق الانقسامات التي أحدثتها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران داخل التكتل الذي يسعى إلى تقديم نفسه كقوة موازية للغرب ورافعة للنظام العالمي متعدد الأقطاب.
وانتهى الاجتماع، الذي استمر يومين في العاصمة الهندية، من دون توافق سياسي، ليعكس تباين الحسابات الاستراتيجية بين الدول الأعضاء تجاه الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، خاصة في ما يتعلق بمفاهيم السيادة والأمن البحري وحرية الملاحة وحماية البنية التحتية الحيوية، وهي ملفات باتت ترتبط مباشرة بتداعيات المواجهة مع إيران.
وقالت الخارجية الهندية، التي تتولى الرئاسة الدورية للتكتل، إن الدول الأعضاء عبّرت عن "مواقفها الخاصة" بشأن التطورات في الشرق الأوسط، مؤكدة أن الخلافات حالت دون إصدار بيان موحد، في سابقة تعكس حجم التوترات داخل المجموعة الموسعة التي تضم اليوم 11 دولة.
ويأتي هذا التعثر في وقت تواجه فيه "بريكس" اختبارا حقيقيا لقدرتها على الحفاظ على تماسكها السياسي، بعدما توسعت بداية 2024 بانضمام دول جديدة بينها إيران والسعودية والإمارات ومصر وإثيوبيا وإندونيسيا، وهو توسع كان يُنظر إليه باعتباره خطوة لتعزيز النفوذ الجيوسياسي للتكتل، لكن الحرب على إيران كشفت عن تناقضات حادة بين أعضائه.
وتختلف أولويات الدول الأعضاء بشكل كبير؛ فالصين وروسيا تميلان إلى خطاب أكثر تشددا تجاه واشنطن وتل أبيب، بينما تحاول الهند الحفاظ على توازن دقيق بين شراكتها داخل "بريكس" وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والغرب.
كما أن دول الخليج المنضوية حديثا في المجموعة، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، تجد نفسها أمام معادلة معقدة تقوم على حماية مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة، مع تجنب الانخراط في اصطفافات حادة قد تؤثر على علاقاتها الإقليمية والدولية.
ويرى مراقبون أن عجز وزراء الخارجية عن الاتفاق على صيغة موحدة يكشف أن "بريكس" ما تزال تفتقر إلى رؤية سياسية متماسكة تجاه الأزمات الدولية الكبرى، رغم نجاحها النسبي في التنسيق الاقتصادي والمالي خلال السنوات الماضية.
وتسعى المجموعة منذ تأسيسها عام 2006 من قبل البرازيل وروسيا والهند والصين، قبل انضمام جنوب إفريقيا عام 2011، إلى تقديم نفسها كمنصة للدول الصاعدة في مواجهة الهيمنة الغربية على المؤسسات الدولية. غير أن توسعها السريع أفرز تباينات جيوسياسية يصعب احتواؤها، خاصة مع دخول قوى إقليمية لها حسابات متضاربة في ملفات الشرق الأوسط والطاقة والأمن البحري.
وتزامن الاجتماع مع تصاعد تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، خصوصا مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط والمحروقات.
وتخشى العديد من دول "بريكس" من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى إضعاف اقتصاداتها التي تعتمد بدرجات متفاوتة على استقرار أسواق الطاقة والتجارة البحرية، ما يزيد الضغوط على التكتل في لحظة يسعى فيها إلى تعزيز مكانته الدولية وتوسيع نفوذه الاقتصادي.
كما أثار غياب وزير الخارجية الصيني وانغ يي عن الاجتماع، بسبب بقائه في بكين تزامنا مع زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تساؤلات حول مدى أولوية اجتماع "بريكس" بالنسبة لبعض القوى الكبرى داخل المجموعة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.
ويبدو أن الحرب على إيران لم تقتصر تداعياتها على الشرق الأوسط وأسواق الطاقة فحسب، بل امتدت أيضا إلى التكتلات الدولية الصاعدة، لتكشف أن "بريكس" رغم اتساعها العددي، ما تزال تواجه صعوبة في التحول إلى جبهة سياسية موحدة قادرة على إدارة التناقضات بين أعضائها.