الحزن شكل من أشكال التتلمذ: تأملات بعد عام من الغياب

لقد عنى فقدانه أن أتعلم العيش من دون ذلك المصدر الخارجي للحكمة. عنى أن أطوّر ولو على نحو غير كامل، نسخة داخلية من حوارات كنت أجريها معه، أجد نفسي الآن أسأل ما الذي كان سيسأله هو.

مرّ عام منذ رحيل والدي، الدكتور هيثم الزبيدي. 

في العام الماضي، كتبتُ عن الصفات التي ميّزته: استقلالية فكره، وإنسانيته، ورفضه أن يُستوعَب داخل المعسكرات الأيديولوجية، والشجاعة التي واجه بها المرض. لا أريد اليوم أن أكرر تلك التأملات ببساطة. فبعد عام، يبدو السؤال مختلفاً. 

لم يعد السؤال فقط: من كان هو؟ 

بل أصبح أيضاً: ماذا يعني غيابه في الحياة التي تستمر من بعده؟ 

في الأسابيع الأولى بعد وفاته، كان الحزن مباشراً وطاغياً. جاء مصحوباً بالصدمة، والمراسم، والرسائل، والتعازي. لكن بعد عام، يصبح الحزن أقل علنية وأكثر داخلية. يفترض العالم أن الحياة قد استؤنفت. وبطرق كثيرة، هي كذلك بالفعل. يستمر العمل. تستمر المسؤوليات. وتعود الروتينات اليومية العادية. 

لكن تحت سطح ذلك الرجوع إلى الحالة الطبيعية، شيء جوهري قد تغيّر. 

بالنسبة لي، كان من أصعب التغيرات أن أفقد أبي كرفيق في التفكير. لم يكن فقط شخصاً أحببته، بل كان شخصاً أستشيره. في أسئلة المهنة، والسياسة، والمجتمع، والحياة، كان غالباً الشخص الذي كنت أريد حكمه أكثر من غيره. 

في مسيرتي المهنية كمهندسة، شعرت بوطأة غيابه بشكل خاص، لأن هذا العالم لم يكن غريباً عنه. فقبل أن تصبح الصحافة المجال الذي عرفه من خلاله كثيرون، كان قد تدرّب كمهندس وحصل على درجة الدكتوراه في أنظمة التحكم. كان يفهم الهندسة لا بوصفها تخصصاً تقنياً فحسب، بل كطريقة للتفكير في العالم: الأنظمة، والعواقب، وعدم الاستقرار، والعلاقة بين النظرية والواقع. 

في هذه المرحلة من حياتي، أجد نفسي أتأمل: أي اتجاه ينبغي أن تتخذه مسيرتي المهنية؟ أي نوع من المهندسين أريد أن أكون؟ ما المشكلات التي تستحق الحل؟ ما الفرص التي ينبغي أن أسعى إليها؟ كيف أبني مسيرة مهنية ذات معنى؟ 

هذه هي الأسئلة التي كنت سأحملها إليه. 

ربما لأنه انتقل بنفسه بين الهندسة والصحافة، كان يفهم أن المسيرة المهنية ليست دائماً خطاً مستقيماً. إنها تتشكل بالفضول، والقناعة، والظروف، والشجاعة. وقد أظهرت لي حياته أن الجدية الفكرية لا تنتمي إلى مهنة واحدة. قد تبدو عادات المهندس وعادات الصحفي مختلفة، لكنها اجتمعت فيه: الدقة، والانضباط، والشك المنهجي، والرغبة في فهم كيف تعمل الأشياء حقاً. 

بعد عام، أجد نفسي أحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من دونه. أحاول أن أتخيل ما الذي كان سيسألني عنه، لا لكي أسمع إجابة جاهزة، بل لكي أستعيد الطريقة التي كان يساعدني بها على التفكير. 

كما شعرت بغيابه في العالم السياسي الذي قضى حياته يحاول فهمه. تبدو السياسة اليوم أكثر صخبا، وأسرع إيقاعا، وأكثر استعراضية من أي وقت مضى. يتحرك الغضب بسرعة وتُكافأ اليقينية ويُعامَل التعقيد كأنه ضعف. في مناخ كهذا، أفتقد غريزته في الصبر  والتجرد. 

كان أبي يؤمن بأنه لكي نفهم السياسة، ينبغي أن نقاوم الوقوع في أسرها. قال لي ذات مرة إن الموضوعية تتطلب النظر إلى الأحداث بعين المراقب. في ذلك الوقت، فهمت ذلك كإجابة تتعلق بالصحافة. لكن خلال العام الماضي، بدأت أراه شيئاً أكبر: انضباطاً ذهنياً. 

كانت هناك لحظات كثيرة خلال العام الماضي أردت فيها أن أسأله عمّا يراه، خصوصاً أثناء الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران. ليس لأنني كنت أتوقع منه أن يمنحني إجابة بسيطة، بل لأنني كنت أثق بالطريقة التي يقترب بها من السؤال. 

لقد عنى فقدانه أن أتعلم العيش من دون ذلك المصدر الخارجي للحكمة. عنى أن أطوّر، ولو على نحو غير كامل، النسخة الداخلية من الحوارات التي كنت أجريها معه. أجد نفسي الآن أسأل ما الذي كان سيسأله هو: أي افتراضات كان سيتحداها، وأي سياق أوسع كان سيصرّ عليه، وأي حذر كان سيتخذه. 

بهذا المعنى، أصبح الحزن شكلاً من أشكال التتلمذ. 

ليس تتلمذاً اخترته، لكنه يستمر مع ذلك. إن غيابه يجبرني على ممارسة العادات التي جسّدها: تفكير أكثر صفاءً، وصبر أعمق، واستقلالية أكبر في الرأي. إنه يطلب مني ألا أكتفي بالإعجاب بقيمه، بل أن أختبر إن كنت قادرا على العيش بها. 

بعد عام، ما زلت أشعر بالفقد الشخصي. لكنني أشعر أيضا، وبشكل متزايد، بالفقد الفكري: الحوار المفقود، والشورة الغائبة، والصمت في المكان الذي كان سيأتي منه تحليله. 

ومع ذلك، ربما ليست المهمة الآن أن أستبدل صوته، بل أن أدعه يشكّل صوتي. 

كان عمل أبي هو الصحافة، لكن رسالته الأعمق كانت التفكير النقدي. وتلك الرسالة لم تنتهِ برحيله. إنها تبقى معياراً لنا نحن الذين تعلمنا منه. 

مرّ عام منذ وفاته. لم أعد أتوقع أن يختفي الحزن مع الوقت. لكنني بدأت أفهم أن الغياب يمكن أن يصبح نوعاً من المسؤولية. 

أن أفكر بعناية أكبر. 

أن أحكم بإنصاف أكبر. 

أن أتكلم بصدق أكبر. 

أن أعيش بطريقة لا تخون ما علّمني إياه. 

هكذا أحمله معي الآن: لا بإعادة سرد الذكريات نفسها، بل بمحاولة أن أصبح أكثر استحقاقا للحكمة التي تركها وراءه. 

عمر الزبيدي