خبيئة الأقصر من الاكتشاف إلى إعادة الإحياء
في قلب الأقصر، وبين جدران معبد الأقصر، تعود اليوم واحدة من أعظم قصص الاكتشاف الأثري في مصر إلى الحياة من جديد؛ مع إعادة افتتاح قاعة الخبيئة بمتحف الأقصر في احتفالية كبرى، بحضور وزير السياحة والآثار شريف فتحي، ومحافظ الأقصر عبد المطلب عمارة، بعد تطوير شامل يعيد تقديم الخبيئة التي اكتُشفت عام 1989 في صياغة متحفية حديثة تستحضر لحظة ولادتها الأولى وكأنها تُرْوَى من جديد أمام الزائر.
القصة تبدأ في صباح 22 يناير/كانون الثاني 1989، عندما كانت أعمال صيانة وتنظيف أرضية فناء الملك أمنحتب الثالث داخل معبد الأقصر تسير بشكل روتيني، وكانت الأرض مغطاة بطبقات من التربة والرمال ضمن جهود مستمرة لمعالجة آثار الرطوبة والأملاح وارتفاع منسوب المياه الجوفية، ولم يكن أحد يتوقع أن هذا العمل الروتيني سيكشف عن أحد أهم الكنوز الأثرية في مصر الحديثة.
فجأة، اصطدم فأس أحد العمال بحجر مدفون بدا منتظم الشكل، فلفت انتباه رئيس العمال فاروق شارد، الذي أدرك أن الأمر يتجاوز كونه صدفة عابرة، وتم إبلاغ الدكتور الراحل محمد الصغير، مدير آثار الأقصر آنذاك، الذي وصل سريعاً إلى الموقع لتبدأ لحظة التحول من عمل صيانة عادي إلى كشف أثري غير مسبوق.
ومع بدء الحفر، ظهرت أولى علامات الخبيئة: قاعدة تمثال ضخمة ذات تجويفين لتثبيت تمثال ملكي، وتبين لاحقاً أنها تخص تمثال الملك حورمحب وهو في هيئة الجلوس القرفصاء حاملاً تمثال المعبود آتوم، وكانت تلك اللحظة نقطة البداية لاكتشاف دفين سيغير فهمنا لفناء الاحتفالات داخل المعبد.
ومع اتساع نطاق الحفر، بدأت التماثيل تظهر تباعاً من أعماق وصلت في بعض المواضع إلى أربعة أمتار، وسط تحدٍّ كبير تمثل في ارتفاع منسوب المياه الجوفية الذي حول عملية التنقيب إلى ما يشبه العمل داخل بيئة مائية معقدة، ورغم ذلك عمل فريق متكامل من الأثريين والمهندسين والمرممين والعمال في تناغم دقيق لاستخراج القطع وتوثيقها لحظة بلحظة.
وخلال أيام الحفر، تكشفت خبيئة معبد الأقصر التي ضمت أكثر من عشرين تمثالاً ملكياً وإلهياً من عصور مختلفة؛ من بينها تماثيل لأمنحتب الثالث، ومجموعة حورمحب الشهيرة، وتماثيل للمعبودة حتحور، وأبو الهول الصغير من عصر توت عنخ آمون، وتماثيل مرتبطة بعصور لاحقة، لتصبح الخبيئة واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية في تاريخ مصر الحديث.
بعد توثيق القطع، نُقلت إلى متحف الأقصر للفن المصري القديم، حيث خُصصت لها قاعة كاملة حملت اسم "قاعة الخبيئة"، واُفتتحت لأول مرة عام 1991 لتصبح منذ ذلك الوقت أحد أهم أقسام العرض المتحفي في المتحف.
ومع استمرار أعمال الحفائر وتزايد الاهتمام العلمي والإعلامي بالاكتشاف، تحولت الخبيئة إلى حدث وطني وعالمي استقطب زيارات رسمية واسعة؛ كان أبرزها زيارة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، الذي تعامل مع الاكتشاف باعتباره حدثاً أثرياً استثنائياً، واتخذ قراراً حاسماً بأن تظل جميع تماثيل الخبيئة داخل متحف الأقصر للفن المصري القديم وألا يتم نقلها إلى أي متحف آخر، وهو القرار الذي أسهم في تثبيت هوية العرض المتحفي للخبيئة داخل الأقصر حتى اليوم.
كما حملت تلك الزيارة بعداً آخر بالغ الأهمية؛ إذ شكلت نقطة تحول في النظرة إلى مدينة الأقصر نفسها، حيث تم اتخاذ خطوات لتعزيز وضعها الإداري باعتبارها مدينة ذات طبيعة خاصة، ثم تطور الأمر لاحقاً ليؤسس لمسار إداري جديد انتهى إلى تحول الأقصر إلى محافظة مستقلة عام 2009، وهو ما جعل كثيرين يرون أن الاكتشاف لم يكن أثرياً فقط، بل كان له أثر مباشر في تعزيز مكانة الأقصر سياسياً وإدارياً وسياحياً داخل الدولة المصرية.
واليوم، تعود القاعة في ثوب جديد بعد مشروع تطوير شامل لم يقتصر على البنية المعمارية فقط، بل أعاد صياغة تجربة العرض نفسها؛ فقد شمل التطوير استبدال الأرضيات والوزرات الرخامية القديمة، وإنشاء سقف جديد بتصميم مقوس من ألواح الجبس، وتحويل جزء من الدرج إلى منحدر لتسهيل حركة الزائرين، إلى جانب استخدام قواطع من الحجر الطبيعي بدل الخشب، وإضافة فاترينات عرض جديدة عند المدخل.
أما سيناريو العرض المتحفي الجديد فقد تم تصميمه ليقدم تجربة أقرب إلى رحلة اكتشاف، حيث ارتفع عدد القطع المعروضة إلى ست وعشرين قطعة بدل سبع عشرة، مع إعادة توزيعها داخل القاعة بشكل يسمح بإبراز التفاصيل الفنية لكل تمثال على حدة، كما أُضيفت قواعد عرض حديثة، ولوحات تعريفية جديدة، ونظام إضاءة متخصص يبرز الملامح النحتية بدقة عالية، إلى جانب شاشات تفاعلية تقدم شرحاً بصرياً وسرداً تاريخياً يحاكي لحظة اكتشاف الخبيئة داخل المعبد.
وفي حديث خاص، يروي الدكتور مصطفى الصغير، نجل مكتشف الخبيئة الدكتور محمد الصغير، جانباً إنسانياً من القصة، مؤكداً أن ما قام به والده لم يكن مجرد كشف أثري، بل لحظة إعادة اكتشاف للتاريخ تحت أقدام المعبد، مشيراً إلى أن والده كان يرى في كل قطعة تُنتزع من الأرض صفحة من كتاب مصر القديمة تُعاد قراءتها من جديد، كما يوضح أن تطوير القاعة اليوم يعيد إحياء روح تلك اللحظة الأولى، ويجعل الزائر شريكاً في تجربة الاكتشاف لا مجرد متلقٍّ لها.
ويظل اسم الدكتور محمد الصغير حاضراً بقوة في هذه القصة الممتدة، ليس فقط كمكتشف للخبيئة، بل كأحد أبرز علماء الآثار المصريين الذين شاركوا في حفائر ومشروعات كبرى في الأقصر، وإسنا، وسوهاج، والصحراء الشرقية، وارتبط اسمه بسلسلة من الاكتشافات المهمة، إلى جانب مشاركاته الدولية وأوسمته العلمية قبل رحيله عام 2006، تاركاً إرثاً أثرياً ممتداً.
وهكذا، بين اكتشاف الأمس وعرض اليوم، تعود خبيئة معبد الأقصر لتؤكد أن التاريخ لا يُكتشف مرة واحدة، بل يُعاد تقديمه في كل جيل بطريقة جديدة، وأن ما بدأ في 1989 لا يزال حتى اليوم قصة حية تُروى داخل جدران الأقصر، وتُعرض الآن بعيون معاصرة تعيد وصل الماضي بالحاضر.



