استقالات متتالية تضع ائتلاف السوداني على حافة التفكك
بغداد - تشهد الساحة السياسية العراقية تصاعداً في حدة الخلافات داخل ائتلاف "الإعمار والتنمية" الذي يقوده رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، بعد سلسلة انسحابات متتالية باتت تهدد بتفكك أحد أبرز التكتلات التي لعبت دوراً محورياً في رسم التوازنات السياسية خلال المرحلة الماضية، لا سيما في مشاورات تكليف رئيس الحكومة الجديد علي الزيدي وتشكيل حكومته.
وجاء أحدث هذه الانسحابات بإعلان النائب علي أنهير السراي مغادرته الائتلاف والعمل بصفة مستقلة داخل البرلمان، في خطوة عكست حجم التصدعات التي تضرب الكتلة منذ أسابيع. وأوضح السراي، في بيان، أن قراره جاء انطلاقاً من قناعات تتعلق بحرية العمل السياسي وتغليب المصلحة العامة، مؤكداً أنه سيواصل نشاطه النيابي بعيداً عن الاصطفافات الحزبية والتجاذبات السياسية.
ويعد السراي من الشخصيات المرتبطة بالملف الأمني داخل البرلمان، إذ يشغل عضوية لجنة الأمن والدفاع النيابية، كما سبق له العمل ضابطاً في الجيش العراقي بعد عام 2003، ما يمنح انسحابه بعداً سياسياً يتجاوز مجرد الخلافات التنظيمية داخل التحالف.
وتأتي هذه الخطوة بعد أيام من انسحاب كتل وشخصيات سياسية بارزة من "الإعمار والتنمية" الذي تشكل في مايو/أيار من سنة 2025 لخوض الانتخابات، من بينها كتلة "العقد الوطني" المرتبطة برئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، إضافة إلى حركة "سومريون" بزعامة وزير العمل السابق أحمد الأسدي. وبررت الأطراف المنسحبة قرارها بوجود تجاوزات على التفاهمات السياسية التي تأسس عليها التحالف، فضلاً عن ما وصفته بسياسات التهميش والإقصاء داخل الائتلاف.
وكان النائب عمار يوسف قد سبق الجميع بإعلان انسحابه من التحالف، مع احتفاظه بعضويته في تحالف "العقد الوطني"، في مؤشر مبكر على وجود أزمة داخلية بدأت تتسع تدريجياً مع التحولات السياسية الأخيرة في بغداد.
ويعتقد أن الأزمة الحالية تعكس صراعاً متنامياً على النفوذ داخل القوى المنضوية تحت مظلة "الإطار التنسيقي"، خاصة بعد تشكيل حكومة علي الزيدي وما رافقها من إعادة توزيع للأدوار السياسية والمواقع التنفيذية. ويعتقد هؤلاء أن بعض الأطراف باتت ترى أن السوداني لم يعد يمتلك القدرة ذاتها على إدارة التوازنات الداخلية التي حافظت سابقاً على تماسك التحالف.
كما تشير تقديرات سياسية إلى أن الخلافات لا ترتبط فقط بتوزيع المناصب، بل تمتد إلى طبيعة المرحلة المقبلة ودور السوداني السياسي فيها، في ظل تنافس واضح بين قوى شيعية تسعى لتعزيز حضورها داخل الحكومة والبرلمان.
ويحذر متابعون من أن استمرار الانشقاقات قد يؤدي إلى إضعاف الوزن البرلماني لائتلاف "الإعمار والتنمية"، الأمر الذي قد ينعكس على قدرة الكتلة في التأثير على القرارات السياسية الكبرى أو الحفاظ على موقعها السابق كلاعب أساسي في معادلة الحكم.
ورغم عدم صدور موقف رسمي من قيادة الائتلاف بشأن الانسحابات الأخيرة، فإن تكرار حالات المغادرة خلال فترة قصيرة يعزز الانطباع بوجود أزمة عميقة داخل التحالف، قد تدفع نحو إعادة رسم خارطة التحالفات السياسية في العراق خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع سعي الحكومة الجديدة إلى تثبيت استقرارها السياسي وسط بيئة شديدة التعقيد والانقسام.