الضوضاء علاج غير متوقع للبصر
لندن ـ كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة أكسفورد البريطانية عن إمكانية استخدام تقنية غير جراحية تعتمد على إدخال ضوضاء بصرية منظمة عبر أجهزة الواقع المعزز، بهدف تحسين القدرة البصرية لدى المصابين بـ 'التنكس البقعي' المرتبط بالعمر، وهو أحد أبرز أسباب فقدان البصر لدى كبار السن.
والتنكس البقعي المرتبط بالعمر يصيب البقعة الصفراء في شبكية العين، وهي المنطقة المسؤولة عن الرؤية المركزية الدقيقة مثل القراءة والتعرف على الوجوه وقيادة السيارات.
ومع تقدم العمر، يبدأ المرض بطمس مركز مجال الرؤية تدريجيا، مما يجعل أبسط المهام اليومية صعبة. ويُعد من أكثر أسباب العمى القانوني شيوعا لدى كبار السن، حيث يعاني منه أكثر من 200 مليون شخص حول العالم، مع توقع تضاعف العدد بحلول عام 2050.
ورغم وجود علاجات للنوع الرطب مثل الحقن داخل العين، فإنها لا تشكّل علاجا شافيا بل تبطئ التدهور، فيما يظل النوع الجاف بلا علاج فعّال حتى الآن.
واعتمد الباحثون على ظاهرة تُعرف بـ الرنين العشوائي، وهي آلية عصبية مثبتة علمياً تفيد بأن إضافة قدر مناسب من الضوضاء إلى إشارة ضعيفة قد يعزز قدرة الدماغ على التقاطها ومعالجتها.
ورُصدت هذه الظاهرة في مجالات حسية أخرى مثل السمع واللمس والتوازن، لكن تطبيقها في مجال الرؤية يُعد مسارا جديدا نسبيا.
ونُفذت التجربة في المملكة المتحدة باستخدام نظارة الواقع المعزز مايكروسوفت هولولنز 2، حيث أضيفت طبقات من التشويش البصري المنظم إلى مجال رؤية المرضى في الوقت الفعلي، دون أي تدخل جراحي أو دوائي.
وشملت الدراسة 12 مريضاً بالنوع الرطب (النضحي) من التنكس البقعي، إضافة إلى مجموعة ضابطة من الأصحاء.
وقد جرى اختبار مستويات مختلفة من الضوضاء لتحديد الجرعة المثلى التي تحقق أفضل استجابة، في منهجية تشبه دقة تحديد جرعات الأدوية.
وأظهرت النتائج أن إضافة مستوى متوسط من الضوضاء البصرية أسهم في تحسين الأداء البصري، إذ تمكن المرضى من قراءة نصف سطر إضافي على لوحة فحص النظر، مع تحسن طفيف في حدة الإبصار من 6/13.5 إلى 6/12.
ورغم أن التحسن يبدو محدوداً، إلا أنه يُعد مهماً في سياق مرض مزمن ومتدهور، حيث يقترب من الحد الأدنى المطلوب للقيادة في بعض الدول، ما يعني استعادة قدر من الاستقلالية.
واللافت أن التأثير ذاته رُصد لدى الأصحاء أيضاً، وإن بدرجة أقل، مما يشير إلى أن التقنية تعمل على مستوى الدماغ لا الشبكية فقط.
ويكشف هذا البحث يكشف عن وجه جديد لتقنية الواقع المعزز، التي ارتبطت في أذهان الناس بالألعاب والترفيه. فاستخدام نظارة مثل هولولنز في سياق علاجي يجسد التحولات العميقة في صناعة التكنولوجيا الطبية، ويمهد الطريق نحو تطوير أجهزة قابلة للارتداء تجمع بين علم الأعصاب والبصريات والذكاء الاصطناعي لتقديم حلول علاجية شخصية غير جراحية.
رغم الحماس لهذه النتائج، شدد الباحثون على أن حجم العينة صغير جدا، وأن الدراسة لم تتناول التأثيرات طويلة الأمد أو النوع الجاف الأكثر شيوعاً من المرض. لذا تبقى الحاجة ملحة إلى تجارب سريرية أوسع وأطول قبل اعتماد التقنية كوسيلة علاجية رسمية.
ربما تكمن الرسالة الأعمق لهذا البحث في أن العلم يزدهر حين يجرؤ على كسر البديهيات. فالضوضاء التي طالما سعى الإنسان إلى إزالتها قد تكون، في ظروف معينة، المفتاح الذي يفتح أمام الملايين أبواب الرؤية من جديد.