فاجعة ثانية تهز فاس وتعيد ملف المباني العشوائية إلى الواجهة

في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات بشأن انهيار مبنى عين النقبي، تبقى فاس أمام اختبار القدرة على معالجة جذور ظاهرة المباني العشوائية، بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها المأساوية بعد كل انهيار جديد.
هلاك 14 شخصا على الأقل في انهيار مبنى بمنطقة عين النقبي بفاس
البناية المنهارة لم تكن مدرجة ضمن قوائم الدور الآيلة للسقوط
شبكات تتلاعب بالوثائق الإدارية وأطراف مسؤولة تتغاضي عن مخالفات خطيرة

فاس (المغرب) - هزّت فاجعة هي الثانية خلال بضعة أشهر، مدينة فاس المغربية، بعد مصرع 14 شخصا في حصيلة أولية إثر انهيار مبنى سكني وصفته وسائل إعلام محلية بأنه عشوائي ومخالف لقوانين البناء، في حادثة أعادت إلى الواجهة ملف التوسع العمراني غير المنظم، وما يرافقه من تجاوزات قانونية حولت بعض الأحياء الشعبية إلى بؤر مهددة بالانهيار في أي لحظة.

واستفاق حي جنان الجروندي بمنطقة عين النقبي، صباح الخميس، على وقع انهيار مفاجئ لبناية سكنية مكونة من أربعة طوابق، ما استنفر السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية والأمن، التي باشرت عمليات البحث تحت الأنقاض وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا.

وكشفت معطيات نقلتها صحيفة محلية عن تفاصيل صادمة تتعلق بطبيعة المبنى المنهار، إذ جرى تشييده بطريقة عشوائية، دون احترام المعايير التقنية المعمول بها، كما لم يحصل على التراخيص القانونية الضرورية، ولم يخضع لأي مراقبة هندسية أو إدارية خلال مراحل البناء المختلفة.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن البناية لم تكن مدرجة ضمن قوائم الدور الآيلة للسقوط، ولم تشملها برامج الإخلاء أو التهيئة الخاصة بالمباني المهددة بالانهيار، ما جعلها خارج دائرة المتابعة التقنية والإدارية، رغم هشاشتها الواضحة.

وأظهرت الفاجعة من جديد حجم الإشكال المرتبط بالبناء العشوائي في المغرب، خاصة داخل الأحياء الشعبية والهوامش الحضرية، حيث تنتشر بنايات شُيدت خارج الضوابط القانونية، مع إضافة طوابق بشكل غير مرخص، واستخدام مواد بناء رديئة أو مستعملة، في ظل ضعف المراقبة أو التواطؤ أحيانا مع المخالفين.

ولا تبدو مأساة فاس الحالية معزولة عن سياق متكرر، إذ تأتي بعد أشهر قليلة فقط من حادثة مشابهة بالمدينة نفسها، أسفرت عن وفاة 22 شخصا وإصابة 16 آخرين، بعدما انهارت بنايتان كشفت التحقيقات لاحقا أنهما شهدتا خروقات قانونية جسيمة في البناء والتفويت العقاري.

فاجعة فاس
فرق الانقاذ تنتشل المزيد من الجثث من تحت الانقاض

وكان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس قد أكد، عقب تلك الكارثة، أن الأبحاث التقنية والقضائية أظهرت تشييد طوابق إضافية دون تراخيص قانونية، واستعمال مواد بناء مستعملة، إضافة إلى تفويت "حق الهواء" بطرق غير مشروعة، وتحرير عقود بيع خارج الإطار القانوني، وتسليم شهادات سكن لا تستوفي الشروط القانونية.

وتعكس هذه المعطيات حجم التشابك بين البناء العشوائي والفساد الإداري، إذ لا تتوقف المخالفات عند حدود التشييد غير القانوني، بل تمتد إلى شبكات من التلاعب في الوثائق الإدارية والتغاضي عن مخالفات خطيرة، وهو ما يفسر استمرار هذه البنايات رغم ما تمثله من تهديد مباشر لحياة السكان.

وفي أعقاب الفاجعة السابقة، قررت النيابة العامة متابعة 21 شخصا بتهم تتعلق بالتسبب في القتل والجرح غير العمديين، والارتشاء، والتصرف في مال غير قابل للتفويت، وتسليم وثائق إدارية بغير وجه حق، فيما أودع قاضي التحقيق ثمانية متهمين السجن مع مواصلة التحقيق مع آخرين في حالة سراح.

ويرى متابعون أن تكرار حوادث الانهيار في فاس يسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لآليات مراقبة البناء بالمغرب، خاصة في المدن العتيقة والأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حيث تتحول المخالفات العمرانية إلى "قنابل إسمنتية" قابلة للانفجار مع أي تصدع أو تسرب أو اهتراء في البنية التحتية.

كما تبرز الحاجة إلى تشديد الإجراءات الرقابية منذ المراحل الأولى للبناء، وعدم الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الكارثة، عبر فرض مراقبة ميدانية صارمة، وتفعيل المساءلة القانونية بحق كل المتورطين في منح تراخيص مخالفة أو التغاضي عن التجاوزات العمرانية.

ويؤكد مراقبون أن إظهار قدر أكبر من الصرامة في مواجهة البناء العشوائي بات ضرورة ملحة، ليس فقط لحماية النسيج العمراني، بل أيضا لإنقاذ الأرواح ومنع تكرار المآسي التي أصبحت تتكرر بوتيرة مقلقة، فاستمرار بعض المخالفين في إضافة طوابق دون ترخيص أو استغلال ثغرات إدارية وقانونية، يهدد بتحويل أحياء كاملة إلى مناطق غير آمنة، خصوصا مع تقادم البنايات وضعف البنية الهندسية لعدد منها.

وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات الجارية بشأن انهيار مبنى عين النقبي، تبقى فاس أمام اختبار جديد يتعلق بقدرة السلطات على معالجة جذور الظاهرة، بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها المأساوية بعد كل انهيار جديد.