من قال أن الملابس الجديدة نظيفة!

خبراء صحة يؤكدون أن الملابس المعروضة في المحلات محملة بأتربة وترسانة كيميائية من أصباغ ومواد مقاومة للتجعد تسبب حساسية وطفحا جلديا حادا، مما يجعل غسلها قبل ارتدائها خط دفاع أول وضرورة صحية لحماية البشرة.

واشنطن - لطالما ترددت على مسامعنا تلك النصيحة التقليدية التي تحذر من ارتداء الملابس الجديدة فور شرائها وتشدد على ضرورة غسلها أولا. وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا السلوك مفرطا في الوسوسة أو ضربا من المبالغة. فهل تستند هذه التحذيرات إلى حقائق علمية، أم أنها مجرد مخاوف لا أساس لها؟

في تقرير استقصائي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، فتش خبراء الصحة والأمراض الجلدية عن الإجابة، ليكشفوا الستار عن كواليس صناعة المنسوجات وما تختبئ خلف خيوطها الزاهية من أسرار قد تهدد سلامة بشرتك.

منصات التواصل تضج بالشكاوى

تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتوثيق المعاناة مع الملابس الجديدة، ففي مقطع مصور حصد تفاعلا واسعاً على منصة "تيك توك"، واستعرضته صحيفة نيويورك تايمز، ظهرت امرأة وجسدها مغطى ببثور وطفح جلدي وردي حاد (أرتيكاريا)، تبين أنه تفاعل تحسسي مباغت ظهر بعد وقت قصير من ارتدائها فستاناً جديداً ابتاعته عبر الإنترنت.

وعلى منصة "ريديت"، تكررت الشكاوى ذاتها في منشورات لا حصر لها تسرد قصصاً عن "نتوءات حمراء تسبب حكة شديدة" تهاجم الجلد بمجرد ملامسة الثياب الجديدة غير المغسولة.

هذه الحالات ليست فردية أو نادرة، تؤكد الدكتورة سوزان ماسيك، طبيبة الأمراض الجلدية في المركز الطبي بجامعة ولاية أوهايو، لصحيفة نيويورك تايمز، موجهة أصابع الاتهام إلى الملابس الجديدة كسبب شائع لشكاوى مرضاها من التهيج الجلدي، لاسيما في المناطق الأكثر عرضة للاحتكاك والتعرق مثل الإبطين، الفخذين، الرقبة، ومنطقة الخصر.

ترسانة كيميائية في خزانة ملابسك

لكن، ما الذي يجعل قطعة ثياب لم يرتدها أحد قبلك مصدراً للأذى؟ تُجيب الدكتورة شمسة كانوال، طبيبة الأمراض الجلدية في بورتلاند بولاية أوريغون، عبر صفحات نيويورك تايمز، بأن الملابس الجديدة تحمل مزيجاً معقداً من المواد المسببة للحساسية والتهيج.

وبخلاف الأتربة والغبار التي تتراكم طبيعياً أثناء عمليات الشحن والتخزين في المستودعات وتثير حساسية البشرة لاسيما الحساسة منها، فإن الخطر الأكبر يكمن في "الترسانة الكيميائية" المستخدمة في تكنولوجيا تصنيع المنسوجات.

أثناء التصنيع، تُعالج الأقمشة بآلاف المركبات الكيميائية التي تشمل مبيدات الفطريات، وعوامل التشطيب، والعطور الصناعية.

وتستهدف هذه المواد منع تجعد الثياب، وإطالة عمرها الافتراضي على أرفف المتاجر، ومقاومة العفن والبقع، فضلاً عن منحها رائحة جاذبة للمستهلكين.

ورغم أن الجسم قد يتحمل بعض هذه المواد، إلا أن الأصباغ تظل المذنب الأكبر؛ وتحديداً "أصباغ الآزو" (Azo dyes) الشائعة الاستخدام في الألياف الاصطناعية مثل البوليستر. يضاف إلى ذلك مادة "الفورمالديهايد" (المستخدمة كدرع ضد التجعد)، وبقايا المبيدات الحشرية (التي تلتصق بالقطن التقليدي)، والعطور؛ وكلها مركبات قادرة على إشعال طفح جلدي أحمر ومؤلم عند ملامستها المباشرة للجلد.

وحتى لا تظن أن الحل يكمن في الركض خلف لافتات الفخامة أو الموضة المستدامة، كشفت دراسة إسبانية أُجريت عام 2022 (ونقلتها نيويورك تايمز) عن فحص 120 قطعة من ملابس الرضع والحوامل بيعت في المتاجر وعبر الإنترنت، حيث صدمت النتائج الباحثين بوجود مادة "الفورمالديهايد" المسرطنة والمخرشة في 20% من العينات. كما نبهت الدكتورة كانوال إلى أن الملابس التي تحمل شعار "عضوية" (Organic) ليست معصومة؛ إذ تظل محملة بالأصباغ والمطريات الكيميائية.

هل الغسيل هو طوق النجاة؟

الخبر السار الذي يحمله خبراء نيويورك تايمز هو أن غسيل الملابس قبل ارتدائها يمثل خط دفاع أول فعال؛ حيث يسهم في التخلص من فائض الأصباغ، العطور، والفورمالديهايد. وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور خواكيم روفيرا سولانو، الباحث المشارك في الدراسة الإسبانية المذكورة: "لقد أثبتت تجاربنا أن دورة غسيل واحدة قصيرة بالماء البارد كفيلة بإزالة كافة آثار الفورمالديهايد تقريباً".

ومع ذلك، ينبغي عدم الإفراط في التفاؤل؛ إذ توضح سيلفانا بريكلي، الممرضة الممارسة المتخصصة في أمراض الجلد بمستشفى لاهي في ماساتشوستس، أن هناك مركبات كيميائية معقدة لا تذوب بالماء بسهولة. فالمواد المؤخرة للاشتعال والمحاليل المضادة للميكروب المضافة للملابس الرياضية لمقاومة الروائح الكريهة صُممت لتدوم طويلاً وتتحمل الغسيل المتكرر، مما يعني أن الأشخاص شديدي الحساسية قد يعانون من تهيج الجلد معها مهما كرروا غسلها.

أما بالنسبة للملابس التي تحمل ملصق "تنظيف جاف فقط"، فتقول الدكتورة كانوال إن تعريضها للبخار أو تهويتها جيداً قد يطرد العطور والروائح، لكنه لن يزيل الراتنجات المقاومة للتجعد أو طلاءات الحماية الثابتة. وتنصح هنا بحيلة ذكية: ارتداء طبقة تحتية رقيقة (مثل تي شيرت قطني مغسول) لتكون بمثابة حاجز واقٍ يمنع التماس المباشر بين بشرتك وتلك الأقمشة.

كيف نتعامل مع الطفح الجلدي

إذا وقع المحظور وأصبت بتهيج جلدي، كيف تتصرف؟ تُصنف الدكتورة ماسيك في حديثها لـ نيويورك تايمز ردود الفعل إلى نوعين:

  • التهاب الجلد التماسي التهيجي: وهو السيناريو الأكثر شيوعاً، ويظهر كاحمرار وحكة بعد دقائق أو ساعات من ارتداء الملابس، وغالباً ما يختفي تلقائيا بمجرد خلع القطعة المسببة للتهيج ودون حاجة لعلاج معقد.
  • التهاب الجلد التماسي التحسسي: وهو الأشد وطأة والأقل شيوعاً، ويحدث عندما يطور الجهاز المناعي حساسية مزمنة تجاه مادة معينة بعد التعرض المتكرر لها. هنا، يمكن لجرعة ضئيلة جداً من المادة الكيميائية أن تفجر طفحاً حادا، وتورما، وبثورا، وشعوراً بالاحتراق، وقد يستغرق هذا التفاعل من يومين إلى أربعة أيام ليظهر على السطح.

وتجمع نصائح الأطباء في التقرير على ضرورة مقاومة الرغبة في حك الجلد المصاب، تفادياً لتفاقم الطفح، أو تضرر البشرة بصبغات داكنة، أو فتح الباب أمام التهابات بكتيرية ثانوية، مع ضرورة استشارة الطبيب إن لم يهدأ التهيج.

في نهاية المطاف، تضعنا سيلفانا بريكلي أمام خيارين يتطلبان الموازنة؛ فغسل الملابس الجديدة له ضريبته الجمالية بلا شك؛ إذ قد تفقد الياقات تماسكها وصرامتها المعهودة، وقد تخبو نضارة الألوان وزهوتها قليلاً بعد أول غسلة.

لكن، ووفقاً للخلاصة التي صاغتها بريكلي لصحيفة نيويورك تايمز: "المسألة برمتها تتلخص في سؤال واحد عليك الإجابة عنه: هل تريد حقاً لتلك المواد الكيميائية الخطيرة أن تلتصق بملابسك.. وتتسلل إلى جسدك؟".