الشاي أقداح ونغم في عيون الشعراء

المشروب يتجلى في الوجدان الأدبي بطريقة ساحرة، وله مكانته الأثيرة لدى الناظمين العرب كرفيق للقصيدة ومبدد للأحزان ومصدر للإلهام والسمر.
صلاح عبدالستار محمد الشهاوي
القاهرة

لمشروب الشاي سحر عجيب، تعشقه النفوس وتهفو إليه الأمزجة في كل الأوقات هائمة في نكهته وسخونته والدخان المتصاعد من كاساته، حين يصب فيها، فيشف براقاً بحمرته الصافية، أو خضرته الفاتحة. وهناك من يمزجه بالحليب أو يضيف إليه بضع حبات من الهال، أو قليلا من جوز الطيب، وأوراق النعناع الأخضر، وهناك من يرش عليه شيئاً من الزعفران، وللشعوب في تحضير الشاي وتقديمه وشربه طقوس وعادات. فما حكاية هذا المشروب؟ وما حكايته في الشعر العربي؟

الشاي لغة:

جاء في قاموس المعاني أن الشاي نبات (شجرة) من فصيلة الكاميليات خضراء، مهدها الأصلي الشرق الأقصى، لها أزهار بيض، تعطي أوراقا، يحضر مكنها شراب الشاي، وهو مادة منبهه، تغلي بالماء وتشرب محلاة بالسكر في المعتاد، ومنه: الأحمر، والأخضر، والأبيض، وآخر بالحليب، واسمه مشتق من كلمة cha الصينية.

قصة اكتشاف الشاي:

عرف الشاي من قديم الزمان في الصين واليابان وسيلان (سريلانكا)، ويقال أن أحد الحكماء الصينيين كان يتأمل الطبيعة تحت شجرة فأحس بخمول وميل إلى النوم فأراد أن يستريح قليلاً، وفي أثناء راحته أخذ يمضغ بعض اوراق الشجرة التي يستظل بها وبعد قليل أحس بالانتعاش، وذهبت حاجته للنوم ومن هنا عرف الشاي وذاع صيته وأقبل الناس على شربه لتأثيره المنبه على الجسم، وكان ذلك قبيل الميلاد بحوالي 2700سنه وقيل إن اسم هذا الحكيم: تي أو تشاي. لذا أخذ هذا المشروب اسم Tea بالانكليزية، و Tiy بالفرنسية، وشاي بالعربية، وفي الخليج العربي شاهي. 

وهناك رواية أخري لاكتشاف الشاي مفادها أن الشاي يعود اكتشافه إلى العام 2737 قبل الميلاد في زمن الإمبراطور الصيني شين تنغ، حيث كان معتادا على شرب الماء مغالياً من أجل الحفاظ على صحته، وفي احدي المرات كان مستلقيا في ظل شجرة، وكان احد حاشيته يقوم بتسخين الماء، لتجهيز مشروب الماء المغلي المعتاد للإمبراطور، ففوجئ بسقوط وريقات من الشجرة في الكوب، فهم بإخراجها سريعاً، إلا أن الإمبراطور شين المميز بإبداعه وحبه لاكتشاف كل جديد لاحظ تلون الماء باللون الأصفر، فقام بتذوقه، فلاحظ طعمه الرائع، وتأثر مزاجه العام بعد شربه، ومنذ ذلك الحين أصبح يعمم هذا الشراب على أصدقائه ومعرفه فلاقي رواجا هائلاً، وبدأ الناس يشربونه ويتداولونه بينهم. وانتقل الشاي بواسطة بعض التجار الصينيين إلى اليابان والهند، ثم انتقل إلى تركيا في القرن السابع عشر الميلادي، ومن تركيا انتق الشاي إلى هولندا ثم إلى ألمانيا وانكلترا، ليقوم الانكليز 1660م بتأسيس تجارة خاصة ومنتظمة لنقل الشاي من الهند إلى أوروبا، ليعرف كمشروب منعش في كل أنحاء العالم. 

واليوم يعتبر الشاي أكثر المشروبات استهلاكا في العالم، حيث تؤكد دائرة المعارف البريطانية أن ثلث سكان العالم يشربون القهوة بكميات تفوق أي مشروب آخر سوى الشاي.

الشاي في الشعر العربي:

لأن الشاي مشروب شهي، ذكره الشعراء في قصائدهم وهم في حالة اشتهاء له، ومصابون بالصبابة العلنية للتعبير عن رمزية هذا الشراب الثري السحري النابض بالروحانية والعاطفة الجياشة في مجالس السمر والشعر وفي مقاهي الرصيف حيث يتردد الشعراء إليها كي يقرأوا ويتأملوا الحياة من الخارج. ويبقي الشاي رفيق القصيدة كما القهوة يسير معها باتجاه واحد نحو الشعر والشعراء.

لذا فلا عجب إن وجدنا الشعراء يتغنوا بسحر الشاي ويمدحوه، بل ويتغزلوا فيه.

فهذا شاعر عربي يربط ذهاب الأحزان بشرب الشاي يقول:

لم يدر ما لذة الدنيا وبهجتها   من لم يكن من كؤوس الشاي قد شربا

فهي المريحة للأحزان قاطبة     ناهيك إذ لونها قد شاكل الذهبا

كما تحركت وتفتقت قرائح الشعراء مع الشاي وللشاي، فوصفوه ووصفوا مجالسه فجعلوه مصدرا للإلهام وسببا في تبديد الأحزان والآلام، كما تغلبوا به على حجافل الهم، فكان مصدر سعادتهم، وصارت الحياة بدونه بلا معني عندهم، يقول الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي:

لئن كان غيري بالمدامة مولعا         فقد ولعت نفسي بشاي معطر

إذا صب في كأس الزجاج حسبته     مذاب عقيقا صب في كأس جوهر

به أحتسي شهدا وراحا وسكرا        وانشق منه عبق مسك وعنبر

يغيب شعور المرء في كؤوس الطلا   ويصحو بكأس الشاي عقل المفكر

فمنه اصطباحي واغتباقي ولذتي      ومنه شفائي من عناء مكدر

كأني إذا ما أسفر الصبح ميت         وإن أرتشف كأساً من الشاي أُحشر

إذا ساق هم الدهر نحوي جيشه       ألاقيه من أقداح شاي بعسكر.

ويقول شاعر:

يا ساقي الشاي أين الشاي فانطلق   وهاته صب من إبريقه الغالي

وهاته بسواد اللون في عجل         منه ذو خضرة في اللون والحال

إذا سُمعت طقيق كؤوسه صُرفت     أبصار من حضروا تلقاء حمّال

إن صب يأخذهم إيناس رغرغة      وتستكين إذا مدت لنوال.

ويقول أحمد بن أمين يوصي بتقديم الشاي للضيف:

إذا زار من تهواه يوما مودة         وقد أيقنت بالود منك نفوسه

 فإن رمت أن تحظي بلطف حديثه    وبادرت بالشاهي يطول جلوسه

يثير نشاطا يبسط اليد بالندي         فمن ثم كل شاربيه كرام

ويكشف غم النفس سراً وجهرة     ويوقظ جفن الأنس حين ينام.

وقال زيد بن لطفة:

يا حسن شاي لاح في بلورة     يزهو كتبر في لجين رائق

ادارة الساقي على الندمان في    زينة معشوق ولون عاشق.

وقال عبدالجليل بن برادة:

اري كلما تحوي مجالس انسنا    جنودا لدفع الهم سلطانها الشاهي

فلا عجب ان لم تتم بدونه         فما تم أمر للجنود بلا شاه.

وقال:

إذا مجلس للأنس تم نظامه       وما دار فيه كاس شاي معنبر

لعمري وان حاز المسرات ناقص    وما هو في عد المجالس يذكر.

 وقال أيضاً:

إذا زار من تهواه يوماً محبة      وبادرت بالشاهي يطول جلوسه

وإن تسقه الشربات يا صاح انه    يقوم إذا دارت عليه كؤوسه.

وقال شاعر:

مجالس الأنس مهما كان مبلغها   من السرور فلن تغني عن الناي

كذاك كل فتي تعينه صحته         فانه في احتياجات الى الشاي.

وقال شاعر:

الشاي كالماء الزلال الظامئ      فيه لنفسك غاية الإمتاع

نعنع كؤوسك إن أردت سقاؤنا     لا خير في شاي بلا نعناع

وإذا أردت صداقتي ومودتي      زدني على تثليث بأرباع.

وقال أخر:

اشرب من الشاي الشهي فإنه       شرب الكرام وتحفة الجلاس

لاسيما أن بالحليب مزجته          عند الصباح بشهوة الأنفاس.

وقال الشاعر:

لم يدر ما لذة الدنيا وبهجتها     من لم يكن من كؤوس الشاي قد شربا

فهي المريحة للأحزان قاطبة     ناهيك إذ لونها قد شاكل الذهبا.

وزار شاعر موريتانيا (بلاد شنقيط) ورائهم يصنعون الشاي الموريتاني (الأتاي) بطريقتهم (خلط كمية كبيرة من الشاي الأخضر مع الماء والنعناع، قبل إضافة السكر في الإبريق فوجد الرغوة التي تشكل نصف الكأس تشبه الغمامة وهذا دليل على إتقان صنعه لذا يقول شاعرهم: 

وشاي بماء رنَّحته غمامة   على كل كأس منه تبدو عمامة).

فقال:

تهيم النفس بالكأس المذهب     عجيب كنهه والطعم أعجب

إذا ما ذقت في شنقيط شايا      فإنك من رحيق السحر تشرب.

ويقول الشاعر الشيخ سيدي:

يُقيمُ لنا مولايُ والليلُ مقمرٌ           وأضواءُ مِصباح الزجاجة تُزْهِرُ

وقد نسَمَت ريحُ الشمال على الرُّبى    نسيما بأذيال الدجى يتعَثرُ

كؤوسًا من الشاي الشهيِّ شهيةً      يطيب بها ليل التمام فيقصُرُ.

ويقول الشاعر خالد العتيق:

الشاي والقهوة السمراء بهجتنا   لم يُخلِف القلب- إن ضاق الفضا- دأبه

حتى وإن سامنا من لفحها لهب        نظل نرتشف الكأسين لا نأبه.

ويقول الشاعر مخلوف على:

نَشوةَ الشّاي اغمرينا    في بيوت آمنينا

نُمتِع الطُرّاق شِعْرا      وَشرَابا سامرينا

فاقرَعُوا بابي فإنّي       لست بالشّاي ضَنِينَا

اسقني الشّاي وغنّي     ترحل الأحزان حينّا

اسقني كأسا صفياّ       مزبدا ينشي سخينا

أَرْشًفُ الثاّني دِهاقا      بثلاث قد رَوِينا

من فم الإبريق صاف    في كؤوس مُتْرَعِينا

حبّذا النّعناع شاذ        كان للشّاي خَدِينا

فَالنّجيُّ في انتِشاءٍ       يَترك القاصِي حزينا

قصّر الشّاي ليال        والنّوى تُذكي شُجُونا

اسقنا شاي السّفينة     لو ترانا قد وَنِينا

إنّ للشّاي مكانا         في شراب الصّالحينا.

ويقول الشاعر كريم معتوق:

فمن كأس شايٍ صغيرٍ بمقهى

تذكرتُ كازا
وما مرَّ فيها
تذكرتُ.. يا حزنَ تلك الليالي

وما يعتريني إذا قلتُ كازا
وما يعتريها

كأنَّ ضلوعي تقيم حصاراً
لتحوي الحنينَ الذي يحتويها
سلاماً لكازا
لكلِّ الليالي التي قد أرتني
وكلِّ العيونِ التي جرَّدتني
من الحبِّ والوجدِ والكبرياءْ
تعثرتُ يا لغةً من دماءْ
تُريني الذي مرَّ قبل الكتابةِ
قبل الأحاديثِ قبل الغناءْ
كما غصَّ بالريق ناعي الحياة
أغصُّ بصمتي أغصُّ بماءْ
إذا ما تذكرتُ والشاي حولي
أحاديثَ كازا
بذاكَ المساءْ
ومن كأس شايٍ بلون الشجرْ
تذكرتُ كازا
وبادرتُ أبحثُ بين الوجوهِ
لعلَّ الذي كان فيها حضرْ
لعلَّ التي باغتتني سلاماً
هناكَ.

تباغتني في خبرْ
فقد كان للشاي أشهى حديثٍ
وأرقى بكاءٍ وأعلى صورْ
تذكرتُ كازا وآخرَ موتٍ
وأوَّلَ موتٍ هناكَ حَضَرْ
أأكتبُ عنها..؟
وغصَّ بيَ الحرفُ غصَّ الحنينْ
كأنيَّ خارطةُ العاشقينْ
أذوبُ وأعرفُ حين أذوبُ
تصيرُ حروفي من الياسمينْ
لماذا تجيئينَ في كأسِ شايٍ
وكان فراقُكِ سبعَ سنينْ
عجافاً
وأذكرُ كانت عجافاً
وكم كان فيها الحنينُ سمينْ
لماذا تريدينني دون ماءْ
أما قلتُ قبلاً أغصُّ بماءْ
إذا ما تذكرتُ والشايُ حولي
أحاديثَ كازا
بذاكَ المساءْ.

وختاماً:

يقول الشاعر:

كثيرة ذكريات الشاي في عمري   ما عاشها أحد قبلي ولا بعدي

فإن لى قصصاً لو رحت أشرحها   لما فرغنا من الحسبان والعد.