بين قمتين: هل يعيد شي تشكيل التحالفات الدولية؟
احتضنت العاصمة الصينية في أسبوع واحد فقط، قمتين تاريخيتين، حيث استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ كلاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مما يكرس بكين كصانع قرار في إعادة هيكلة العالم.
فعليًا لا يوجد أي مقارنة بين القمتين، ربما وجه الشبه الوحيد كان في مراسم الاستقبال فقط، فكل كلمة وعبارة في البيان الصيني - الروسي، تمت صياغتها بحرفية كاملة، بعض البنود ركزت على انتقاد دور أميركا وسياستها في كل أنحاء العالم، وأن الأحادية القطبية لم تعد فاعلة، والتعاون هو الأداة التي يجب أن تصبح أسس العلاقات الدولية.
المضمون الاستراتيجي بين القمتين كان واضحًا، ففي قمة "بوتين – شي" يتجاوز بمراحل أي تفاهمات تمت مع ترامب، ويمكن فهم بعض الفوارق من خلال عدد من المضامين التي كشفت عنها القمتان.
إدارة الخصومة مقابل التحالف الشامل: في قمة ترامب، كانت العلاقة قائمة على الندية ويسودها التربص، وكان الهدف هو تجنب حرب تجارية شاملة أو الوصول لتهدئة مؤقتة. أما مع بوتين، فكانت إرساء صياغة تحالف جديد، حيث يتم التنسيق في ملفات تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن القومي المشترك والتموضع العسكري، وكأن الطرفين بصدد تشكيل حائط صد لمواجهة الهيمنة الأمريكية.
غياب الثقة مقابل استمرارية الزخم: في قمة ترامب؛ ما تم الاتفاق عليه لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، وكان هناك شبه غياب للتفاهم حول القضايا الدولية، وانتهت القمة بلا بيان مشترك، وحتى الهدايا الصينية البروتوكولية تركها الجانب الأميركي خوفًا من أنها تحمل أدوات تجسس، مما يكشف عن مستوى عالٍ وغير مسبوق من عدم الثقة.
في المقابل، قمة بوتين شهدت ترسيخًا لاتفاقيات طويلة الأمد (مثل خط أنابيب قوة سيبيريا 2 والتبادل التجاري بالعملات المحلية)، مما يعطي انطباعًا بالاستقرار والموثوقية التي ستنعكس تلقائيًا على مجموعة البريكس.
تغيير السلوك مقابل وحدة الرؤية السياسية: بينما كان ترامب يضغط على الصين لتغيير سلوكها التجاري، يتبنى شي وبوتين لغة مشتركة لرفض "الهيمنة القطبية الواحدة". هذا التوافق الأيديولوجي جعل من قمتهما منصة لإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية، وهو ما لم يكن مطروحًا أبدًا في لقاءات مارا لاغو أو بكين مع ترامب.
الفشل مقابل البدائل الاستراتيجية: فشل ترامب في انتزاع موقف صيني للضغط على إيران لفتح مضيق هرمز لحل أزمة إمدادات الطاقة المتصاعدة، بينما نجح بوتين في حسم ملفات حيوية للصين، مثل تأمين تدفقات الطاقة عبر البر بعيدًا عن أي تهديدات بحرية أمريكية، وهو مكسب استراتيجي لا يمكن مقارنته بأي صفقات كانت مطروحة من جانب ترامب.
المقايضة مقابل إدارة التوافق: في قمة ترامب تم تجميد صفقات السلاح الأميركية لتايوان بأكثر من 20 مليار دولار مقابل تعهد بكين بمشتريات زراعية أميركية بحوالي 17 مليار دولار. لكن في قمة بوتين، كان هناك ما هو أهم من الصفقات التجارية، وهو إدارة هذا التوافق بين بكين وموسكو، الذي وصل إلى مستويات تاريخية على كافة القطاعات، ويمكن قراءة ذلك في البيان المشترك، فالتوافق بينهما امتد إلى اتفاقيات تمس حياة ورفاهية المواطنين في كلا البلدين، بعضها متعلق ببناء المساكن وأخرى لها علاقة بتغيير المفاهيم لدى الأجيال الجديدة من خلال المناهج التعليمية بما يؤسس لعلاقة استراتيجية بين الجانبين، ليس من المفترض أو المقبول فيما بعد أن يصبحا ندين مستقبلًا.
ربما أخطاء ترامب كان لها دور كبير فيما يحدث حاليًا، فقد تسببت سياساته "الأحادية" في عزلة واشنطن عن حلفائها التقليديين. بالنسبة للأوروبيين فهم يعانون منه بسبب الجمارك وأيضًا بدء سحب قواته من الناتو عقابًا لهم على موقفهم من حرب إيران.
وباتوا يشعرون بعدم الثقة من تقارب ترامب التجاري مع شي، ويرون فيه تخليًا عن القيم الديمقراطية لصالح صفقات زراعية والطائرات، مما دفعهم لفتح قنوات اتصال مستقلة مع بكين لضمان مصالحهم.
ومع التماهي الحاصل بين بكين وموسكو قد يصبح الاتحاد الأوروبي في وضع دفاعي، يضطرهم لإعادة صياغة علاقاتهم من جديد مع روسيا للبحث عن آفاق للتعاون وليس للصراع، بل إنهم يخططون للاستعانة بالمستشارة إنغيلا ميركل لاستعادة زخم تلك العلاقة. أما تايوان التي كانت ترى في واشنطن راعيها الأول، فأعربت هي الأخرى عن انزعاجها من ترامب الذي رفض حسم موقفه من دعم استقلالها خلال القمة.
لذلك، فالمشهد الدولي الآن، يظهر فيه الثلاثة الكبار كالتالي: الصين وكأنها الرابح الأكبر، تدير علاقة براغماتية مع ترامب مستغلة الانقسامات في الداخل الأمريكي، وفي نفس الوقت تقيم تحالفًا استراتيجيًا مع بوتين لكسر الهيمنة الغربية.
وروسيا وقد ارتضت مؤقتًا بـ"الشريك الداعم" بعد أن تحولت إلى "خزان طاقة" للصين، محتمية بغطائها السياسي ضد العقوبات الغربية.
أما الولايات المتحدة، فهي التي تعاني من الانعزالية، وفقدت ثقة حلفائها وتراجعت قدرتها على قيادة النظام الدولي.
النتيجة المحققة، أنه بينما غادر ترامب بوعود تجارية محدودة، فإن قمة بوتين أرست البنية التحتية لعلاقات استراتيجية بين طرفين. هذه العلاقة يمكن أن تصبح نموذجًا لعالم يعاد تشكيله وفق رؤية غير مسبوقة تسمح بتعايش خصمين سابقين ضمن أسس جديدة قائمة على البقاء والرفاهية.
بالفعل قمة شي - بوتين ليست إعلانًا لنهاية عالم أحادي القطبية، وليست أيضًا بداية لعالم متعدد الأقطاب لكنها حاولت بقدر المستطاع الاستثمار في أخطاء الجانب الأميركي الذي تجاوز في استخدام حدود القوة الصلبة في الصراعات الإقليمية ووصل إلى وهم القوة. ما لم يدركه الرئيس دونالد ترامب، أن صراع المصالح حر.. فتلك هي الطبيعة، أما صراع السلاح فهو مقيد، وهذا هو شرط البقاء.